أحلام مقيدة

  نور شوقي

اختلط الوقت عليه, وهو يعاني كمية الأسئلة المنهمرة علية. لم يعد يعي هل النهار أرسل زبانيته  ام إن الليل أرسل خفافيشه. وجوه قبيحة مخيفة تتناوب عليه , تارة بالضرب , وتارة أخرى بسيل من الأسئلة المطلقة, لا جواب لها عنده, ولم يسمع بها مذ كان سلطاناً على تلك الامضار, والى الان حيث بات غريب يتنسم هواء الربيع من خلال أمسه الدامي, ويكحل ناظريه بألوان أصبحت باهتة , إلا أنها كانت في يوم من الأيام زاهية براقة , تضلل حدود مملكته بربيع دائم, وتحفز المرء أن يعيش بهناء و رخاء حتى آخر لحظات حياته, ومتأملا بحياة أخرى , عله يفعل ما لم يفعله بسبب محدودية سنينه في حياته الأولى.
س:ستعترف رغماً عن انفك؟.
ج:ياْخي أنا جاهز للاْعتراف , ولكن بماذا اْعترف!.
س: أنت تعرف , ويجب أن تعترف؟.
ج:ياْخي لقد أنهكتموني….
س:(صفعه) لا تقل ياْخي…يا يا خائن.
ج: أسف أسف, يا أخي لقد أنهكتم أنفسكم, إذا كنت خائناً, ما هي خيانتي , وأنا اْعترف!.
س: (صفعة أقوى) اكرر للمرة الالف لا تقل يا أخي (لمرافقيه) يبدو انه سوف يتعبنا, ضعوه في ثلاجة الأمانات المنقرضة .
عند سماعه اسم الثلاجة شعر بوخز البرد تنخر نقاء عظامه , صرخ, انتفض, ثار, علهم يكتبون في ضبطه ما يجعلهم لا يضعونه في الثلاجة , إلا إن الوقت كان قد فات , والمحقق تلاشت ملامحه بين طيات الظلمة الحالكة. بالمقابل هو ايضاً كان يتلاشى في تلك الظلمة, لكن بمرافقة شخصين كانا يجرجرانه ورائهما, ويدخلانه من بوابات مقفلة, كبيرة وشاهقة, وأخرى صغيرة بالكاد فاْر يولج جسده من خلالها , ومن خرم قفلٍ إلى آخر, إلى أن توقفا أمام باب كباب بيته , مكتوب عليها (من يدخلها لا يخرج ومن خرج منها كأنه ولدا من جديد).
نازع كثيراً عله يثني الشخصين من عدم إدخاله, رغم يقينه بعدم جدوى ذلك, إلا إن بصيص الأمل هي التي كانت تثيره على المقاومة , وفجأة شعر بيدٍ ثالثة دخلت النزاع القائم , فتح عينيه , وإذ بزوجته توقظه وهي تهزه من كتفيه, وقد تبلل من التعرق , وتفاعلت رائحة عرقه مع رائحة البول النازل من قضيبه دون إرادته, وهي توبخه قائلة: انهض يا رجل , وكاْن عزرائيل نزل عليك, انهض وتوجه إلى الحمام , اخلع ملابسك واغتسل جيداً.
حتى تلك اللحظة لم يصدق بأنه كان يحلم, بصوتٍ شبه مبحوح طلب من زوجته أن تلكزه , أو أن تعض يده لكي يتأكد من انه كان في حلم, من جانبها الزوجة كأنها كانت تنتظر هذه الفرصة لكي تثار لنفسها, أمسكت بيده وعضتها , لم تترك يده ألا بعد أن أحست بألم الصفعة التي تهاوت على خدها , من قبل الزوج المتألم, وهو يصرخ ويسبها: يا بنت (…) طلبت منك أن تعضيني بقصد التحرر من آثار الكابوس الذي كان جاثماً على صدري, لا أن تنهشيني ككلبةٍ مسعورةٍ.
أجهشت الزوجة بالبكاء, وهي تعترض على طلبه وسلوكه معها, وأردفت قائلة: لولا ابنك لما أيقظتك , الله العليم ماذا فعل في المدرسة حتى طلبوا منه أن يحضر وليَ أمره.
عند سماعه تلك الكلمات , ارتبك الرجل ولم يعد يركز على جملة مفيدة, بات يهذي بما رآى في المنام, وهو يقول: كنت اعرف إن حلمي سوف يتحقق, ولا تظني إني سوف أضع نفسي بين أياديهم, حتى لو أدى ذلك إلى فصل ابنك من المدرسة, في المحصلة مصير ابنك الشوارع, ولا تحلمي أن يصبح طبيباً, أو محاميا, أو مهندساً, أو حتى زبالاً لدى دائرة حكومية.
حاولت الزوجة أن تهدأ من ثورته , التي لا تعرف أسبابها ودوافعها, فأسكتها بصفعة ثانية وهو يصرخ في وجهها: أنتِ لا تعرفينهم, اسأليني أنا ؟, أنا الذي اعرفهم, وقد ذقت من عسلهم, لا تعرفين كم كان طول كل واحدٍ منهم؟, ولا عرضه؟, ولا ملامح وجهه؟, بكل صفعة كنت أنسى من أنا؟, أو من هو أبي أو من هي أمي؟, أو هل أنا مولودٌ ام لا؟, كنت أرى ألواناً لم أرها في حياتي؟, أتعرفين لو كنت مكاني , كانوا سيجعلونك تشربين بولك الذي تبولته, وتلدين دون أن يضاجعك احدٌ منهم.
لم يعرف كم كان قوة الصوت , إلا انه شاهد فمَ زوجته مفتوحاً, بعد الصرخة التي نتج عنها, رآى بلعومها ولوزتيها, وهي تقول: يكفي ؟ اصحى كنت في حلم ؟ دائماً تخاف , حتى أثناء الحلم لا تقوى على الدفاع عن نفسك؟ ماذا دهاك؟ لم تكن كذلك ؟ من اجل إرادتك وقوة شخصيتك اْخترتك وفضلتك حتى على ابن عمي, و أصبحتُ زوجتكَ, و لو لم تكن مذنباً وسجنتَ مع الكثير من أمثالك, ماذا حدث؟ هل متَ؟ ام هُتكَ عرضكَ؟, أو خرجت ورأيت أولادك مشردين, أو هُدمت معاملك , أو تم إحراق إنتاجك الزراعي, لم تفنى المعمورة إن دخلت السجن مدة عام, افهم لست أفضل من الذين سجنوا؟, اْصحى وعد لرشدك, أريدك كما كنت سابقاً تمشي فتهزَ الأرضَ تحت قدميكَ, الضعف و الخوف جعلاكا وهناً اتجاه أي موظف حكومي.
بدأ بالبكاء كطفل فُطم عن صدر أمه للتو , وهو يؤكد لها , بان من يضرب بالعصي على قدميه , ليس كالذي يعدها, وهاج من جديد وكأنه أخطاء حين ذرف عبراته أمامها, وظن بان ما تم هو انتقاص لشخصيته و رجوليته, وأنها سوف تذله عند أي مشاحنة قد تٌشن بينهما, فصفعها للمرة الثالثة وهو يقول: لا تظني باني سوف انجر وراء كلامك , و أذهب برفقة ابنك إلى المدرسة.
طردها من الغرفة ككل مرة, ولم يغتسل ايضاً ككل مرة, ومر عليه اليوم ككل يوم و العام ككل عام, وبقي الخوف سيد الموقف ككل مرة, إلا انه بين الحين و الحين يحاول شم عبق الربيع رغم زكامه الدائم من تفاعل رائحة البول والعرق.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…