سأهجر داري .. هربا من الشرطي (أبا حسن) جاري

 المحامي محمود عمر

الشرطي (أبو حسن) والحق يقال ليس بالشخص المسيء للجوار,لا بل انه ـوكما يقال ـ صاحب واجب, يشارك أهل الحارة أفراحهم وأتراحهم, ولا يترك مناسبة صغيرة أو كبيرة إلا ويكون حاضرا فيها, يبادر هو دائما بالسلام,والسؤال عن الحال والأحوال,ويعلن عن استعداده لخدمة الجميع ضمن حدود إمكاناته المتاحة,ويعاملني باحترام خاص, والحقيقة إن استفادتي من السكن بجواره فوق كل ذلك هو إن أطفالي استطاعوا ونتيجة الاحتكاك بأولاده إتقان اللغة العربية قبل التحاقهم بالمدارس,والكل يدرك حجم المعاناة التي يتلقاها ذوو التلاميذ والمعلمين مع صغار الكرد في السنة الدراسية الأولى  كونهم لا يتقنون سوى لغتهم الأم.
إذا فمشكلتي ليست مع أبا حسن ولكنها مع أطفاله, فلم أعد استطع تحمل طلبات أطفالي ومطالباتهم لي بزيادة مصروفهم اليومي(الخرجية),بشتى الوسائل أحاول إقناعهم بالسياسة الموفقة التي أتبعها وبالتعاون مع والدتهم في أمور التدبير المنزلي,والتي مفادها إن لكل شخص إمكانات معينة وان العقل والمنطق يقتضي بأن يتصرف ضمن حدود هذه الإمكانات ,وإلا فإنه سييقع فيما لا يحمد عقباه,ولكنني  بدت عاجزا في حواري معهم, وجوابهم الحاضر على الدوام, انظر إلى أطفال جارنا الشرطي, فهم لا يرضون من والدهم إلا بالفئة المذهبة أي الخمسة والعشرون ليرة والتي تدفع لكل واحد منهم مرتين في اليوم,وهم يقولون لنا إن والدنا المسكين مجرد شرطي وبالكاد يدفع له الناس بالخمسينات, والمئات , أما والدكم ـوعلى حد قولهم ـ فما شاء الله محامي ويأخذ من الناس بالربطات,فلماذا يبخل عليكم بالخرجية, ليس هناك من الأطفال من يرضى بعد  بالخمسة والعشرة ,وأنتم ما زلتم على هذا الموال ومنذ عدة سنين, أتحايل على أطفالي بتكرار بعض الأحاديث النبوية والأقوال المأثورة عن سياسة التقشف والتدبير على مسامعهم , وأدفع كل عدة أيام مرة بدل الخمسة أو العشرة  قطعة من الفئة المذهبة حتى يتركوني في حالي لكن الأمور ساءت أكثر بعد إن رفع جاري فجأة من سقف الخرجية لأولاده بأن جعلها خمسون ليرة بدل الخمسة والعشرون,قلت لأطفالي إن الأمر لا يختلف كثيرا عند جاري فهي مجرد صفارة زيادة لتكسي أو سيارة أجرة, ويطالع الفرق وتحل الأمور لديه,ولكن أطفالي كشروا عن أنيابهم الغضة وبدؤوا هجومهم اللاذع لقد أصبح أولاد أبو حسن يقبضون كل نصف نهار خمسين ليرة وهم يقولون إن نوعا من البوظة الجديدة قد تم طرحها في المحلات وان طعمها وعلى ذمتهم لا يقاوم وان سعر القطعة الواحدة منها, تباع بأربعين ليرة وأنت ما زلت تدفع لنا خمسة وعشرة متى سنأكل منها يا أبي؟؟؟؟

حين أدركت إن محاججتي لهم ستبوء لا محالة بالفشل ,فحيلي لم تعد تنطلي عليهم,وبدت أساليبي مكشوفة وغير مقنعة ,قررت الاستعانة هذه المرة بوالدتهم لتعينني عليهم , وتقنعهم للرأفة بحالي, ولكني وجدت إن السيل قد وصل إلى باب منزلي فلم أكد أتفوه بأول كلماتي, حتى تفاجأت ببركان يقذف حمما من الكلمات اللاذعة وتخرج من فم زوجتي بعد صبر وسكوت قد طال أمده ويبدو انه قد تراكم طيلة هذه السنين وأبى إلا الانفجار في هذا اليوم العصيب:الى متى سنظل على هذا الحال؟؟؟ وضع الناس يتغير ويتبدل إلى الأفضل ونحن على حد قول المثل( تيتي تيتي متل ما رحتي متل ماجيتي) لا بل لم نعد نتراوح في مكاننا, بل نتراجع كل يوم إلى الأسوأ,وتابعت: يا أخي إذا راحت علينا ـ كما يقال ـ فما هو ذنب هؤلاء الصغار أليس من حقهم أن يعيشوا كغيرهم, تذكر حالة أبا حسن أول سكنته في الحارة, بيته كله كان محملا على طرطيرة(دراجة ثلاث دواليب) والآن انظر إلى حاله, لقد تحول بيته إلى قصر كل عام يغير الصحية والسيراميك والأثاث, كل أدواته الكهربائية وأثاث منزله من أفخم وأجود الأنواع,هل رأيت المسبح الذي أعده في البيت لأولاده, زوجته تقول إننا لا نشتري إلا الماركات لصغارنا,ونحن يا حسرة لا نعرف شكل هذا المحلات ومواقعها, ولا نشتر لأطفالنا إلا من سوق الأربعاء أو الخميس ومن البالة,هل تعلم ا ن أبا حسن قد اشترى الآن سيارة خصوصية للبيت, إضافة إلى سيارة السرفيس المدللة التي يعمل عليها سائق ليل نهار وهي غير خاضعة كبقية السيارات العائدة لعناصر الشرطة ومن لف لفهم للغرامات أو الأتوات, تركت زوجتي وهي ما زالت تندب حظها العاثر و تسترسل في الحديث عن الجحيم الذي نعيش فيه إذا ما قورن بالنعيم الذي يعيش فيه عائلة أبا حسن ـأدامه الله عليه ـ ووجدت أخيرا انه لا مفر من هذا المأزق سوى بيع البيت والسكن بعيدا عن أبا حسن, لا بل لو توفرت لي الضمانات الكافية بأنه سيتم قبولي في سلك الشرطة لهجرة حتى مهنة المحاماة والتحقت بمهنة جاري أبا حسن ولكن خوفي أن ينطبق علي المثل القائل:لم يلتحق بالمسجد ولم تصح له الكنيسة أيضا.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…