سؤال الكتابة

إبراهيم اليوسف

يحتل سؤال – لمن تكتب؟ – الذي يوجه للكاتب أياً كان، وأياً كانت إجابته عن هذا السؤال، موقع الصدارة والأولوية، من جملة الأسئلة الأكثر إلحاحاً التي توجه إليه .
 

تأتي أهمية مثل هذا السؤال من زاوية أن من شأن الإجابة عنه أن تحدد  هوية الكتابة لدى هذا الكاتب أو ذاك، حيث تبعاً لهذا الجواب يتعين بالتالي موقع خطاب الكاتب أياً كان، بل وجدواه، وعلاقته بالمتلقي، بل وعلاقته بالكاتب إثر كل ذلك .
ولعل الإجابة لن تكون إلا أحد احتمالين، لا ثالث لهما، فإما أن يكون الكاتب معنياً بمتلقيه، يهجس به، يضعه نصب عينيه، حضوراً حقيقياً أو مجازياً، يقول كلمته، واضعاً إصبعه على دائرة اهتمامه وحاجاته الصغيرة منها والكبيرة في آن واحد، يجنّح أحلامه، يحلق به بعيداً، يمنحه مفاتيح اللحظة لمعانقة المستقبل، ولاسيما عندما يجد نفسه في مواجهة واقع يضيق عليه الخناق، ولا يجد إلا في عالم الكتابة تلك المشكاة التي تضيء  أمامه الآفاق، وتبدد ما يتبدى من عتمة، وترسم له معالم الطريق، طريق الطمأنينة والخلاص، من ربقة ذلك القلق، أو تلك المعاناة التي هو فيها، أو أنه يدير الظهر لحاجات متلقيه وأسئلته، من دون أن يكترث بها، وهو ما يرتب موقفاً من قبل كثيرين من القراء تجاه هذه الكتابة، ولاسيما أن  تقويم الكتابة من هذه الزاوية  يبقى هو الأساس، بالرغم من بعض الدعوات التي ترى  عكس ذلك، ولها وضع آخر .
 
ولكم من كتّاب عظام، أثروا في قرائهم طوال حيواتهم، من خلال إبداعاتهم، و كان لها دور كبير وفعّال في التأثير في جمهرة المتلقين، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وأن هذا الدور يظل محافظاً على قيمته يوماً بعد يوم، من دون أن يتم الخوف عليه، تحت يافطات دعاوى “موت الأدب”، جنساً تلو آخر، بزعم بعضهم، وهو يعني الإجهاز على أهم رئة للجمال الذي لاغنى عنه البتة، على اعتبار الأدب والفن  من بين أهم أغذية الروح .
 
وإما أن يكون الكاتب – في المقابل – غير معني بمتلقيه، بل إنه يصرف جل جهده  في نصه، ليعده الأكثر أهمية في عملية الكتابة والإبداع، وهو بهذا أسير ذاته، لأنه يتبادل التذويب مع النص، فيجد نفسه النص، والنص نفسه، مسبغاً عليه هالة كبيرة، ليشكل جداراً بينه وبين متلقيه، من دون أن يفكر بأسئلة هذا القارئ، وما يترتب عليه ونصه في آن واحد، تجاهه، لتتضخم أناه .  
 
ولعل المكان الحقيقي لأكثر هذه النتاجات، حتى وإن كانت ذات جدوى فنية عالية، هو رفوف المتاحف، والمكتبات الديكورية في بعض الأمكنة، لأنها تخلو من نبض الحياة، وسحر التفاعل مع المتلقي .
 
ومن هنا، فإن أحداً لا يطالب الكاتب أن يجازف بأدواته الفنية لكتاباته – أياً كان جنسها، بل وبالعكس، لا بد من أن يعنى بأثره من الناحية الفنية، في الوقت نفسه الذي لا بد من وضع القارئ نصب عينيه، مترجماً رؤيته التي تبث الروح في  أجزاء النص،  وتجعله ذا جدوى  وأهمية، لأنه لا يوجد أي ضرب من الكتابة إلا وله رسالته، وإلا فإن الكتابة تتحول إلى “عبث”  لا طائل منه البتة، ما دامت  بعيدة عن واقع وحلم المتلقي .
 
elyousef@gmail.com
 

زاوية ” أفق” جريدة الخليج 19-8-2010

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…