حين ترجل فارس أخيراً

 آراس اليوسف:

إلى روح صديقي فارس محمد
فارس..!
واسمك كان أجمل من أن تلتقطه عدسة ماهرة
وأنت كنت أجمل
من أن ترحل
ربما كان الموت يستهوينا كمشروع صغير، لنعرف كيف سيكون العالم من دوننا، ولكنك صممت أن تعرف كيف يكون العالم من دونك، ورحلت، بالقرب من أنفاس أب كان يود أن يأخذ بيدك لأميرة صغيرة، وعم كان يود أن يقرأ صورة أخيه فيك طويلاً

كنتم ثلاثة
ورابعكم كان الموت
وخامسكم نحن الذين ننتظر أن تعودوا
وسادسكم الغد الذي سيأتي من دونكم
فارس كم أنا مشتاق إليك
من سيأتي ويقرع باب غرفتي في أوقات متأخرة سواك
من سأسافر إليه في دمشق يفرد لي قلبه أحدثه ويحدثني حتى ساعات متأخرة من الحلم؟
وأنت تقول لي: أنت اخترت فرع الآثار لي كأب فنضحك
أجل، كنا خططنا أن نكون في غرفة واحدة طوال فترة الدراسة الجامعية فبعثرتنا درجات الشهادة الثانوية
آه يا فارسي
فارس أبويك
فارس أصدقائك
فارس اللحظات الحرجة
فارس تلك الصبية التي ستحمل صورتك ورسائلك
وهي تقرأ عش الحلم الذي تحطم ذات جمعة كئيبة من سبتمبر 2010
حبذا لو كان آخر شيء فعلته، قبل أن تغادر منزلي، لآخر مرة، أن أبكي… أبكي…. أبكي….. في حضنك، أحدثك على طريقتنا، عن أشياء كثيرة كنت أخبئها عنك، مثل نجومك التي تتسلق أدراج أمسياتي، أو رسائلك التي لا تنام في موبايلي، أو اسمك الذي احتميت به من أحزان كثيرة، ربما كنت خبأت كل هذه الأمور، لأقولها لك ذات حزن كبير . كبير كبير لا أتحمل
….!
تعال-فارس- لأعتذر لك، عن آخر لقاء تخلفت فيه عنك، لأنني لم أملك ثمن فنجانين من القهوة في مقهى السيمونيدس، فلا تزعل مني، وأي فنجان قهوة آخر سيكون أشهى من ذلك الذي سأشربه في حضرة قامتك يا حبيبي، رحلت، ولا قهوة في الأرضين، تجلسني مرة أخرى، مع قوس قزح مثلك.
تعال لأقول لك:إني أحبك مثلما لم أقل لك من قبل
مثلما لم أترجمه
أتتذكر ماذا كانت توحي كلمة الترجمة لنا
أي فارس
فارسي
تعال، لئلا أتركك مرة أخرى..!
تعال، فقلبي صغير على الغياب
وعيناي أضعف من أن تبكيا وعلاًً مثلك
دموعي ستغرقني
ستغرقني، أجل، قبل أن أبكي ناياً مثل صوتك
يا إلهي الكبير كم صليت لك
وكم تمنيت منك، بعد كل صلاة وانا أرفع يدي إليك، أن توصد نوافذ أحبتي في وجه الموت…!
وكم أنا خائب إذ لم تصل دعواتي إلى سمائك، لتحمي لي هذا الإنسان ، هذا الرائع، هذا الجميل، هذا النبي في زمن اللاأنبياء
يا إلهاًُ طالما جللته كما هو
يا إلهي الجميل
يا إلهي الدائم
كم تؤلمني اللحظات، الآن، و أصابع قدرك، تخطف إحدى جهات الأرض، بالنسبة إلي، فأنا افتقدت جهة كاملة من الأرض في جمعتك الأخيرة، أو فرقتك…!
يا إلها أجله
واختطف جزءاً مني في صديق
لكم أضع يدي على أنفاس الذكريات لأئدها، وأنا الذي خططت لمشوار صغير، مع فارس، واتصلت ليلاً، به، على هاتفه الجوال، وبكيت بين يدي فارس، ليكون كل ذلك “زاداً” لذاكرتي، إذاما داهمها الحزن، وزوادة لروحي إن أقفرت، أو اقتلع المنطق أبواب قلبي في هياج الريح الصرصر
يا صاحبي ليس المنطق دائماً هو الحل الجميل
كان عليك أن تتمهل الليلة
ها منطق الموت هذا اليوم يبكيني .. يدمي روحي…
و يفزعني و يحزنني ويقتلعني من جذوري لأكتب لأول مرة
وأنا كنت أحدثك عن ترجمات ستتم
في مشروعنا المشترك
وأي مشروع يا رباه
دون فارس..؟!
………………………
تعال يا صاحبي…!
تعال يابن أمي وأبي
لأرسل كل قبرات العمر، وحباراه، و كراكيه، و سنونواته إلى أشجارك العالية العالية..!
لئلا تؤلمني، وهي ستحط-مؤكداً- في نهاية المساء، على كتفي، وتسألني عن كثيرين لن يكونوا يوما أجمل منك….. لا……
كم مرة، قلت لك، حين أكون على موعد معك، أحسك قادماً على هيئة الفرسان، وعلى كتفك اليمنى طيرك، وعلى كتفك الأخرى ذرية كواكب، وفي جعبتك غنائم كثيرة، وفي ظلك نصر كبير …!
هو الموت إذاً يا فارس
وكم كنا نصغره
كم كان يكبرنا ليتركني أرثيك
عاجزاً إلا عن عويل طويل
…………………….
هو الموت
ولكم كنا نهابه، لأننا لم نركض بعد كثيراً
كان أمامنا الكثير لنركضه
لأنّ مدناً جميلة كانت تنتظرنا
ومواعيد
وجبل بعيد
وشمس
و ينبوع
وكتب
ونساء…!

………………
إيه فارس
فارسي
ولأنّ حبيبتك كانت تعدني بأنها ستزورني برفقتك، ومع أطفالها الذين اخترتما لهم أسماءهم منذ سنتين، ولأنني كثيراً ما حدثتك بأن اطفالي سيضربون أطفالك، وانت تقول لي: لا ، أطفالي سيكونون أشجع من أطفالك..
لقد كنت أشجع…
أجل
ها أنا أرفع كلتا يدي
وأعترف..!
أطفالك يا صاحبي سبقوا أطفالي في سباق الدراجات، وأنا أبكيهم،
أطفالك الذين يشبهونك كثيراً،كنت تخبئهم بين كتبك الجامعية، وبين محاضرات حبيبتك ، حبذا لو أطلقت سراحهم فيضربوا أولادي، و يكسروا نوافذ منزلي
كما كسرت نوافذ روحي الليلة بغيابك المفجع
أيّها الذي صممت على الغياب، منذ الآن، سأشتاق إليك.. سأشتاقك…… أكثر
أيّها الأسمر
اسمك نشيد وأنا سأحفظه
أيّها الأسمر: أنا أحبك
التاريخ الذي لن أنساه

17-9-2010

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…

ا. د. قاسم المندلاوي

قبل الدخول إلى صلب الموضوع، الموت والخزي والعار ومزبلة التاريخ لطغاة تركيا وسوريا الظالمين الإرهابيين، الذين لم يكتفوا ولم يشبعوا من قتل الأبرياء، بقيادة شيخ الإرهاب العالمي أردوغان وتلميذه الإرهابي أحمد الجولاني، من سفك دماء الأبرياء من الكورد واليهود والأرمن والآشوريين والدروز والعلويين والمسيحيين والعرب وغيرهم.<br...

صبحي دقوري

ليس سليم بركات من أولئك الكتّاب الذين يُقاسون بموازين الذوق الشائع، ولا ممن تُفهم كتابتهم على عجل، ولا ممن يصلحون للتداول السريع أو القراءة العابرة. والحق أن من يطلب من نصوصه السلاسة، أو يتذرّع بغموضها، أو يتهمها بالنخبوية، إنما يكشف – من حيث لا يدري – عن عجز في أداة التلقي،…