دراسة نقدية: لبعض السطور الشعرية، من ديوان الشاعر عمر كوجري الموسوم بـ (إنها الريح)

خالص مسور

إنها الرِّيْحُ ياأُمِّي
من حقِّكِ
أن تسندي دمعكِ إلى حزني
ومن حق الفراشة
 أن تتكئَ

على ماتبقى مني من قصيدةٍ عصية

ومن حقِّ هذا النهرِ
 أنْ يعبرَ بسرعةٍ إلى هاويتي
ومن حق الجبل
 أن يكونَ جبلاً
يا أمي

جاء العنوان الشاعري المجلجل (إنها الريح يا أمي) والمكون من ثلاثة كلمات والمبدوء بحرف التأكيد – إنها – ومنتهياً بأداة النداء – يا – والمنادى – أمي – لينسجم مع الجو العام للقصيدة التي تغلب عليها طابع الشكوى والأنين الشاعري اللهيف، وعبارات متسربلة بسيماءات من الحزن الشفيف ممزوجاً بالإباء والثقة بالنفس، لشاعر ذاق مرارة الهجرة والكفاح من أجل لقمة العيش وحياة حرة كريمة له ولأسرته، في مدينة لم يألفها ولم يتلاءم معها جيداً، مدينة مزدحمة بالمرور لحد الإختناق رغم أنها الشام عاصمة سورية التي نعتز بها جميعاً، ولكنه الواقع المؤلم الذي وجد الشاعر فيه نفسه، واقع لم يخل من بصيص أمل لازال يحدو شاعر يأبى الإستسلام والخنوع لصروف الدهر وموبقات الزمان فهو لايزال بقية من قصيدة عصية.  
ومن حق الفراشة
أن تتكيء على ما تبقى مني من قصيدة عصية
وقد أمدنا الشاعر كوجري بمزيد من صور شاعرية مبتكرة وبلغة درامية تتوفر على قدر كبير من الفنية وجمالية التعبير، فهو الذي يقول في عباراته الشعرية ذات الرنين الفونيتيكي الشاعري الرهيف، وبصورة تشبيهية مجازية مركبة جاءت في غاية العذوبة والجمال مثل قوله:
–  بين أصابعي يرقصُ نهدُك كأرنب مذعور –   فها أنذا أكسرُ
بحرَ الوجع – بَعْثرَ الذُّكورةَ في أصيصِ القميصِ – على رُخَام القَلَق –
نعم، إنه هنا حنان الأم الذي يداعب الحواس لتخمد نيران المواجع والألم في سطور شعرية امتاز على العموم بالبساطة والإنسيابية التي تحمل بعداً دلالياً فائر الإحساس، تؤدي إلى استفزاز مشاعر المتلقي مع بساطة تستجيب لذوق المتلقي والقاريء العادي، فيغوص معها في فضاءات الحياة الجزئية اليومية لمدينة الشام حيث ازدحام المدينة بالسيارات ومسبات السائقين لبعضهم…الخ. وهو ما يزيد السطور الشعرية شفافية وبعداً عن الغموض والتعقيد نوعاً ما.
لقد أجاد الشاعر في نسج سطوره الشعرية مع معانيها الدلالية المعبرة في صور مجازية توشيها تقنية الأنسنة والتشخيص، فالفراشة ترمز إلى بهجة الطبيعة وزهو الحياة، أي أن الشاعر لازال قادراً على إكساب الحياة الزهو والغنى، ويكون السند الداعم لمن ينشرون البهجة والأمل في نفوس الناس بجدارة واستحقاق. 
وعلى الصعيد الفني لبعض هذه السطورالشعرية للشاعر عمر كوجري والتي جاءت كعينة عشوائية قد لا تكون الأجمل بينها، رأيناها فياضة بالأحاسيس والإنفعالات والمشاعر الإنسانية الرقيقة. ففي هذه القصيدة (إنها الريح يا أمي): نرى أن الابتداء بشبه الجملة – من حقك –  بحركتها السكونية والتوقف الوجيز لالتقاط الأنفاس عند حرف الكاف في كلمة – حقك- ثم الحركية المتسارعة التي بدأت عند الفعل المضارع – تسندي – كلها أدت إلى خلق حالة من الديناميكية الشاعرية والعاطفة الجياشة، ثم البكائية الكامنة في بنية الكلمتين – دمعة ثم حزن – المترادفتين في تعبيراتهما الدلالية بتقنية تراسل الحواس، ليعبر بها الشاعر عن حالة اجتماعية ووجدانية متسربلة بالقلق والدموع بكفاءة تعبيرية وفنية عالية.
ويعود تكرار كلمة الحق أر بعه مرات من خلال عشرة أسطر يدل على فتوة الشاعر وأخلاقه العالية وتأيده للعدل والحق، مع شيء ليس بالقليل من معاناة الذات الشاعرة والإنكسار- هاويتي- ولكن لازال الشاعر رغم مصائبه وحزنه العميقين قادراً على أن يكون نبع عطاء وبصيص أمل وتفاؤل بالحياة، في الوقت الذي بدا فيه متحملاً لمسؤلية ما آلت إليه حياته فهو لايبخس الآخرين حقهم، مبدياً رغبته في إحقاق الحق ولكل حقه في هذه الحياة الصعبة حتى ولو تحمل هو قسطاً من هذه الصعاب عن الآخرين ليقول:.
ومن حق هذا النهر
أن يعبر بسرعة إلى هاويتي    
قد يبدو الإنتقال في السطرين هنا من الحسي – النهر – إلى المعنوي – هاويتي – مرسوماً بإيحائية عالية، توحي بالكثير من الشاعرية والعبارة الرامزة والغرائبية والحكمة والإدهاش، ورجولية فائقة في مواجهة القدر، وتحمل عال للمسؤولية .
………………………………………..
وفي قول الشاعر :
ومن بياض الدفتر
في ثلجي الناعس
ومن ما تبقى لي
 في هذه الشام الـ ..
نراه وقد انتابه حالة من القلق الوجودي نابع من أحاسيسه الذاتية، فجاءت السطور الشعرية الحافلة بالبياض المعبر عن حياة حافلة بالجهد والكدح، لم يتبق له منها في شامه سوى الحيرة والقلق والذهول، لتثير حالة من الجدلية في دواخل الذات الشاعرة، بكلمات وجمل ملهوفة صارخة بالبياض، وفي عملية إيحائية استخدم فيها ” أل ” التعريف وبعدها نقطتان، ليقوم المتلقي بملئها اعتماداً على ما مدى استيعابه للمعاني الدلالية، من خلال قراءته للسطور الشعرية والتي يبدو فيها الشاعر وهويستلهم خطابه الشاعري، في استفاقة ديناميكية لمشاعره تضمها سطور بعبارات تجسد معاناة لاهبة، نابعة عن حالة من الأحاسيس والمشاعر الفياضة بالحزن والأسى، لشاعر بدا مثقلا بالهموم والمتاعب والاغتراب، وهو يجول بمشاعره في محطات زمنية تحمل عبق ذكريات بيضاء تربطه بماضيه بكل أفراحه ومآسيه.
……………………………………………..
ويقول عمر كوجري في موضع آخر:
هكذا سأحزمُ قلبي .. وآتي إليكِ
أتركُ خلفي صمتَ القرية
هكذا حزم حسم الشاعر أمره، وترك قريته الصامتة الوادعة بكثير من الحرقة والأسى، بعد أن حزم قلبه الذي أثقلته الأوجاع والهموم، ليتغرب في مكان يستطيع أن يلاقي فيه لقمة العيش الكريم في مدينة مزدحمة بالشجار والبشر، حاملاً معه هذا القلب الكبير المفعم بالحب والإنسانية، متنقلاً من الهدوء لدرجة الصمت في قريته الوادعة إلى صخب المدينة وضجيجها، بكل جمالياتها ومفارقاتها، بأحلامها وآلامها معاً.
وفي سطريه الشعريين الجميلين يقول كوجري:
إلى صليبِكِ سأهربْ
من دون أن يأكلنِي القلقْ
هنا نرى اكتنازالرؤى المستبطنة شاعرية وقلقاً وجودياً يدل على قمة المعاناة التي انتابت الذات الشاعرة، في انزياحات وصور مضطربة تجسدت في عبارات – يأكلني القلق – الحزنُ كان يسطو على أساريري – وبين أصابعي ذهولُ الاحتضار-
 وتجسد الصور التشخيص والربط بين الحسي والمعنوي جامعة بين الحداثة والتقليد، رامزة إلى الإحساسات النفسية القلقة واللائذة إلى الحمى الإلهية ليحصن نفسه ضد أمواج الحياة المليئة بما يعاكس خلجات قلوب لاتعرف اليأس والتردد عشقت الحياة وأرادت الصمود حتى النهاية.       
……………………………………………
ويصف كوجري دمشق الذي هاجر إليها بكل صخبها وضجيجها ليقول:
تزدادُ الزَّحْمَةُ في دمشق
يتسابَقُ السَّائقون،
ويسبُّون أمَّهات وأخَوات بعضهم
هناك شهر
تتعاركُ السَّياراتُ،
هناك..
بينما يرى بودلير أن المدينة عاهرة، يراها الكوجري بنظرة أخرى قد تكون أقرب إلى نظرة بودلير إلى المدينة، فهي لدى كوجري زحمة وعراك وشتائم وسباب، نعم إنه القلق والإغتراب، في مدينة تتزاحم فيها السيارات وتتعارك، ويتعارك السائقون في صور معبرة عن الإنفلات الأخلاقي لدى سائقي سيارات المدينة التي بدت تتململ تحت وطأة الإختناقات المرورية الكبيرة.
لذا نقول: أن الشاعر استطاع بهذه السطور القليلة التعبير عن صور جزئية للحالة الإجتماعية الدارجة لدى شريحة معينة من المجتمع السوري  – سائقون يسبون أمهات وأخوات بعضهم –  وحالات من الإختناقات المرورية في المدينة الكبيرة، راسماً صور كاريكاتورية ساخرة عما يجري بين سائقي سيارات المدينة  ولسانهم الذي يلهج بالسباب والشتائم في أوقات الذروة المرورية، معبراً في الوقت نفسه عن إنفعالاته النفسية الطافحة بالمرارة والألم والمعاناة.  
…………………………………
ويتابع كوجري القول:
قلبي الحافي يمشي في سهوبكِ
لا يبحث عن ظل فقده
لايستقدمُ العاصفةَ إلى بيدره
لا ينوحُ في عزِّ فرحِهِ
هو يعرفُ أنكِ لا محالةَ..
ماطرةٌ على صحرائهِ
هذه السطور الشعرية تمتاز بجمالية انزياحية كبيرة وبوح شاعري جميل، وروحية عذبة تجنح في دلالاتها الشعرية نحو السلم والهدوء المجلل بالأمل والتفاؤل العميقين، موحية بالثراءات الدلالية والصور المجازية المعبرة عن أمل وبشائر قادمة عبر جمل وعبارات  بدا فيها عمر كوجري شاعراً عاطفياً مرهف الإحساس، دقيق التعبير عن إنفعالاته الداخلية وصوره الإنزياحية الجميلة – بلغة درامية تكون أقرب إلى الشفافية والوضوح وأقرب إلى ذهن المتلقي لتضعه في مواجهة نقل حي ومباشر لصور تلفيزيونية مثيرة، لشاعر يتقن لغته التعبيرية القادرة على استيعاب صور شاعرية حداثية  مبتكرة، نابعة من خصوصية التجربة الشعرية للذات الشاعرة لتتماهى مع حالة خاصة من التجرية الشخصية.
وهناك كلمة واحدة وردت في أحد السطور الشعرية قد تكون غير مستساغة أو غيرمعبرة بدقة عن الحالة التي تصفها للوعل، والكلمة جاءت في سياق السطر الشعري الآتي وهو:
سأندسُّ كوَعْلٍ بارد بين لحافِ قصائدِك
فكلمة / بارد/ رغم جمالية الصورة الشعرية في السطر الشعري، نقول كان من الأنسب أن تأتي محلها كلمة /مقرور/ هذا إن كان الشاعر يقصد بها وعل انتابه برد، وإن كانت لغير ذلك فهي جميلة في محلها. وفي الختام نشير إلى أن الشاعر عمر كوجري قد عمد إلى تناصات شعرية مع القرآن الكريم كما في – يساقط – كما أن هناك سطور شعرية لم نتناولها في دراستنا هذه، وهي تتوفر على قدر كبير من إنسيابية اللغة وجمالية الصورة والتعبير، مع كثير من أمثلة جميلة أخرى لم نقم بتحليلها هنا، حرصاً على ألا يطول بنا الشرح والمقام، ولنتجنب إدخال الملل في نفوس القراء الكرام. 

…………………………………..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي…