مفهوم الكرامة ثقافيا

محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
m.qibnjezire@hotmail.com

بين تغليب الحرية الفردية والحكم باسم الجماعة –المجتمع- ..قضية يتسلى بها الأيديولوجيون منذ ماركس –وكان أكثر جدية ممن خلفوه – وحتى هذه اللحظة لدى الأحزاب التي تتكئ في صياغة منظومتها الفكرية على الأيديولوجيا –الأممية او القومية أو الدينية….الخ.
ربما احتج البعض على مفهوم يتسلى –ولهم الحق – فالقضايا الجادة التي تتناول مصائر البشر أفرادا وشعوبا –لا يفترض أن تكون مادة للتسلية..لأن الحياة في أصلها جد، والتسلية فسحة للتمكن من الاستمرار في الجد…
كما شخص الحالة شاعر حكيم في توصيف احد الخلفاء:
الجد شيمته وفيه فكاهة = سجح ولا جد لمن لم يلعب
هذا ما يعرفه الجميع حدسا – ما لم يكن الحدس – كقوة معرفة واستشعار- قد ناله التشويه بتأثير التزييف المقصود-أيا كان السبب-.
المعرفة الحدسية قوة فطرية زوّد الله بها الإنسان…فمنذ مرحلة الطفولة يدرك الكثير من حاجاته، ومستلزمات حياته وأمنه، ومن هذه القوة الحدسية ما يسمى بالغريزة الخوف الغريزي…الخجل الغريزي…الفهم العام…المشاعر المختلفة في حالاتها العفوية…!
فطريا يشعر-يحس- المرء بأنه كائن ذو قيمة وخصوصية؛ تميزه عن الحيوانات، يتبلور هذا الشعور والإحساس  في تجل نسميه “ثقافة” ولها تعبير متنوع لعل أهمها هنا هو: المعرفة، الاكتساب –الخبرة- في إطار بيئة اجتماعية متأثرة –طبعا أو طبيعيا-  بالبيئة الطبيعية…في عملية تفاعلية مستمرة.
عند هذه النقطة نتساءل:
أين يشعر –يعرف- ويقدّر ….الإنسان؛ القيمة التي تعطيه ما نسميه –عادة – الكرامة؟
وماذا يعني مفهوم الكرامة؟
وكيف يتجلى عمليا في حياة الإنسان؟
منذ وجد البشر – مهما كان تفسير وجوده دينيا أم لا دينيا…فقد كان التفكير يرافق وجوده كخاصة مميزة لهم عن الكائنات الأخرى الحية والجامدة…
وقد دفعه قوة التفكير هذه الى تأمل الحياة –الكون – ومحاولة فهمه وفهم موقعه فيه…من جهة، والموقع الاجتماعي له في سياق الحياة الاجتماعية المتدرجة في التطور بحسب المعطيات الواقعية والحيوية الفكرية عموما..وقد أنتج ذلك، الفلسفة او –التعمق في التفكير – والبحث المستمر عن الحقيقة .
وكما يقول أرسطو اليوناني:”أول باعث الى الفلسفة هو الدهشة”.
إن معنى الدهشة جلي في حكاية إيمان “إبراهيم” عليه السلام.
الآية….”فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفل قال: لا أحب الآفلين”
تدرّج الدهشة من المجهول والعظيم، النجم والقمر والشمس جعله يتابعها بدهشة وربما بعض خوف، فالخوف- او الحيرة والارتباك- انفعال مرافق للدهشة بدرجة ما، لأن المجهول يولد الخوف عندما نكون أمام أمر عظيم غريب عن فهمنا وإدراكنا له.
إذا فتعمق التفكير في البحث، ومحاولة فهم ما يجهله، أدى الى تكوين مجموعة تفسيرات حول كل ما يخصه –كإنسان- ومنها، معرفة حقيقته ككائن بين الكائنات المختلفة ودوره بينها ..مع أن هذه المعرفة لم تكتمل بعد، والبحث لا يزال جاريا كما يعبر عنه الدكتور ألكسي كارلايل في كتابه المعنون بهذا التساؤل: “الإنسان ذلك المجهول” ..
ولعل القول المنسوب الى علي بن أبي طالب وهو:
وتحسب انك جرم صغير = وفيك انطوى العالم الكبر
يصب –بمعنى ما – في هذا المعنى…
وقد يمكن تفسير فكرة ذلك الفيلسوف من المذهب الذاتي، شيئا من هذا أيضا :
(أستطيع القضاء على العالم بخنجر اغرزه في جسدي…)تعبيرا عن ان القيمة الحياتية مستمدة من القيمة البشرية في الإدراك والتفاعل …الخ.
هذه المعاني -ومثلها كثير- في التراث البشري الثقافي؛ يشير بوضوح الى الأهمية، والقيمة، والقوة المفترضة للإنسان؛ يجمعها جميعا شعوره بها، وترجمة ذلك شعورا، تفكيرا، سلوكا….الخ.ولعل مفهوم الكرامة يلخص هذا المعنى المميز له.
فهل حافظ الإنسان في إدارته لمعنى الكرامة البشرية على هذا المعنى؟.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…