بشار عيسى الفنان والإنسان (ضيف وحدث)

صبري رسول
 

كطفل لا يرى أبعد من إصبعه الممدودة إلى القمر كنتُ أتوقع وبمخيالي البسيط أنّ الفنان الكردي السوري بشار عيسى ليس سوى فنانٍ يترجم آلامه إلى ألوان، ومعلوماتي عنه كانت أكثر من شحيحة، هكذا كنتُ أنظر إلى هذا الفنان في أيام دراستي الجامعية نهاية الثمانينات، ورغم اهتمامي وحبّي لفنّه الذي يجسّد عالَم الإنسان الكردي في جزيرته المنسية بكلّ ما له من جمال وما يختزنه من آلام، رغم ذلك لم تصلني عنه إلا أخبارٌ شحيحة حتى بداية هذه الألفية، قد يكون اغترابي في الخليج من الأسباب التي أبعدَتْني عن متابع أعماله وأخباره، لكن بعد الألفية كان ثمّة أخبار تُنْشَر عن أعماله في بعض الصحف السورية دون الإشارة إلى كرديته طبعاً، لم يكن ذلك يحزنني، فيكفيني فخراً انتماؤه إلى سوريا.
برنامج (ضيف وحدث) الذي تقدمه قناة (France24) استضافَ الفنان بشار عيسى يوم الأحد 26/6/2011م ليتحدّثَ عن ظروف خروجه من بلاده ويشطّ به المزار أخيراً إلى فرنسا بعد معاناة طويلة.
يلاحظ المشاهد أنّ هذا الفنان مليء بالألم والمرارة، وعجنتْه الحياة بالسياسة، والمُدهِش في حديثه إتقانه اللّغة السياسية، وبعد نظره، وتحليله العميق لربيع الثورات العربية عامة، وفي سوريا خاصة.
صحيحٌ أنّ كل لوحةٍ فنية خلْقٌ جديدٌ للعالَم، وابتكارٌ خلاق للوعي، وفتحٌ آخر للمعرفة، لكن ليس من الضرورة أن يكون الفنانُ سياسياً بامتياز، والسؤال المثير: هل لوحة الفنان، أيّ فنان كان، تُعَدُّ رؤيةً سياسية كلماتُها ألوان، وأفقُها التنسيقُ العام بين تلك الألوان من حيث المساحات اللونية وقوتها، والتداخل بين الظلال والضوء؟
حتى لو كان الأمر كذلك، فالفنان قد لا يكون محللاً سياسياً، ولا كاتباً صحفياً.

الأمر مع الفنان بشار عيسى مختلف، حيثُ لاحَظَ المشاهد في مقابلته أنّه إنسانٌ قبل كلّ شيء، فكفى به ألماً انتظاره الطويل كي يزور قريته ويلتقي بأمّه التي رحلت دون أن تكحّل عينيها برؤية ابنها، أملُه ذاك تلاشى مع مرارة الغربة، والوضع السياسي الذي عاناه طويلاً ومنعه من زيارة بلاده، كما تكمن إنسانيته في ترجمة الحدث السوري إلى لوحاتٍ فنية كمتنَفَّسٍ له، وقوة الشخصية لديه دفعته إلى القول: ((قد يبكي الإنسان أمام ما يجري، وقد يصيبه الإحباط، أو اليأس)) لكن بشار عيسى يعود بعد يومٍ مرهق ومؤلِم إلى لوحته وألوانه وخيالاته الواسعة ليُعيدَ إنتاجَ عالَمٍ فنيّ ومعرفي جديد، ويجعل المرءَ في دهشةٍ وإعجاب أمام تداخل الضوء مع السواد، ويجعل صراع الإنسان في الحياة وبحثه عن عالم أفضل صراعاً بين الألوان، ومن ثمّ ينقل المشاهِد من اللوحة الفنية إلى عالم السياسة، إنّه بشار عيسى الفنان والإنسان، وقبل كلّ ذلك السياسي الجريح في غربته.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين

 

مدينة كوباني المعروفة أيضًا لدى الفرنسيين باسم Kobané ظلت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى في أواخر العهد العثماني منطقة ريفية غير منظمة، يقطنها سكان أكراد بدو ومزارعون ينتمون إلى عشائر متعددة كانت تتحرك في السهول الممتدة شرق الفرات، ولم تكن هناك مدينة حضرية قائمة أو مركز إداري منظم قبل تدشين محطة سكة حديد بغداد التي أنشأتها الدولة العثمانية برعاية…

دوسلدورف – المانيا

بحضور العشرات من المثقفين والناشطين في مجال المجتمع المدني والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي الكردي، عقد تحالف المجتمع المدني الكوردي – فرع مدينة دوسلدورف ندوة ثقافية وفكرية حول الصحافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور 128 عاماً على انطلاقة أول صحيفة كردية. وجاءت هذه الندوة ضمن سلسلة النشاطات التي أعلن عنها التحالف تحت شعار “أسبوع الصحافة…

تلقى موقع “ولاتي مه” فيلما قصيرا بعنوان “الكرسي” للمخرج والفنان الكوردي أكرم سيتي، الذي يسعى من خلال هذا العمل إلى تقديم تجربة إنسانية عميقة بأسلوب بصري بسيط ومؤثر.

الفيلم، وهو عمل صامت، لا يعتمد على الحوار المباشر، بل يترك للصورة والإحساس مهمة إيصال رسالته، في محاولة للوصول إلى وجدان المشاهد بعيدا عن الخطابات التقليدية….

عبد الجابر حبيب

 

“أن تروي غزال الأرضَ بدمها ذروةُ كرامةٍ، أمّا حجبُ صلاةِ الجنازة عنها، فسقوطٌ في النذالة”

 

في العتمةِ…

تآكلَ الضوءُ ببطءٍ يا غزالُ

وتدلّتِ الروحُ من حافّةِ الصبر،

غصناً يابساً لا ماءَ فيه

لا يداً تمتدّ إليه،

جدرانٌ صامتة،

تُصغي طويلاً…

وتنحني الخطى على حافّةِ الانكسار.

 

آهٍ وألفُ آهٍ يا غزالُ

هناكَ…

انفجرَ الجسدُ

حين هبطتِ النارُ…

حين انحنى الترابُ على الوجع،

حين تُركَ معلّقاً بين الأنفاسٍ

حين أُغلِقَتِ…