جدي ملا عبد اللطيف.. إذ يتظاهر في عامودا, جدي ملا صالح.. إذ يعتكف في مسجده بكوباني

جان دوست

الجد الثائر

المعروف عن إمام الجامع الكبير في عامودا جدي ملا عبد اللطيف رحمه الله أنه كان نزقاً.. وبحسب تعبير نزار قباني فإن نزق  جدي (والد أمي) كان نزق الثوار.. وكانت أمي تروي عنه أنه خلال الثورة الكردية التي قادها الراحل ملا مصطفى بارزاني كان لا يضع جهاز الراديو الترانستور من يده بل كان يصغي لصوت الثورة المجلجلة إذ يبثه الأثير كل مساء.. ويروي عنه ابن خالي الأعز أبو سعد أنه كان يلقي لأحفاده بالفرنكات الصفراء كلما سمع خبراً مفرحاً عن الثورة.. وحين أوشكت نيران الثورة على الانطفاء لفَّ جدي الثائر شماغاً على رأسه وأقسم أنه (وهو ابن الثمانين عاماً) سيذهب إلى الجبل ليقاتل مع (زميله) ملا مصطفى بارزاني.. لكن الثورة انطفأت وانطفأت معها جذوة حياة جدي ذات صيف عامودي حار.
اليوم أرى جدي بين الجموع الثائرة في عامودا.. أراه متظاهراً كل يوم جمعة.. هاتفاً بالحرية للشعب السوري.. صارخاً في المدى الرحب بصوته الحنون الدافئ: آن للظلم أن يزول..
أراه كل يوم جمعة وأنا أقرأ الخبر العاجل الذي يكاد يكون أول خبر عن مظاهرات الجمعة في قناة الجزيرة والقنوات الأخرى: انطلاق تظاهرة تنادي بالحرية من أمام الجامع الكبير في عامودا..
والجامع الكبير هذا هو الجامع الذي أسسه جدي وبناه وأصر على أن تكون له مئذنة (وقاها الله شر القصف) يراها أهله الأكراد على الضفة الأخرى من الألم في ماردين. كانت فرحة طفل تغمره وهو يرى بناء المئذنة يرتفع شيئاً فشيئاً. وكانت لا تضاهيها فرحة سوى فرحة حفيده الذي هو أنا حينما كنت أرى المئذنة ونحن في القطار نمر بجانب عامودا قادمين من حلب متجهين إلى قامشلو قبل أن تقلنا سيارة ما إلى عامودا.. وأنا في القطار محشور بين الأمتعة كنت أرقب من النافذة السهل الفسيح الذي يلفحه السراب من شدة الحر.. كانت مئذنة جدي ترتفع في السماء كإعصار أو زوبعة من الإيمان في وجه كفر الجغرافيا والتاريخ..
رحمك الله يا جدي.. أيها الثائر الذي لم أرث عنه سوى القليل من روحه الثورية وجرأته البالغة..

الجد الدرويش
جدي (والد أبي) ملا صالح رحمه الله كان تقياً ورعاً مريداً في التكية النقشبندية.. رحل من عامودا إلى كوباني في أواخر أربعينيات القرن العشرين حينما كان الفرنسيون (رحمهم الله) لا يزالون يحكمون الوطن بيد من (حرير). المعروف عن جدي ملا صالح أنه لم ينخرط في السياسة.. لكنه كنظيره ملا عبد اللطيف بنى مسجداً (بفضل كَرَم الآغا المرحوم مجحان البيجي) سمي مسجد سيدان نسبة إلى لقب سيدا الذي كان يحمله جدي  وورثت عنه هذا اللقب الذي أحبه من بين كل الألقاب الاعتبارية الأخرى.
لم أسمع أن جدي تعاطف مع أي ثورة.. كردية أو غيرها… بل كان درويشاً معتكفاً زاهداً في الدنيا.. يحرم على نفسه أكل اللحم والبيض في القرى درءاً لشبهة أن القطعان تختلط ببعضها وأن دجاجة الجيران الغبية ربما تضع بيضها في قن آخر.. فيختلط الحلال بالحرام..
جدي هذا كان شاعراً ينظم القصائد في التصوف السلبي.. الخاضع لمشيئة الشيخ الأكبر في الطريقة.. كان جدي نزقاً في بعض الأحيان.. لكن شتان بين نزقه ونزق جدي من عامودا..
اليوم أرى جدي ملا صالح معتكفاً في مسجده بحارة سيدان، يقرا أوراده.. يغمض عينيه ويستحضر صورة شيخه.. ترى هل سيطول اعتكافه؟؟
رحمك الله يا جدي ملا صالح.. أيها الزاهد الذي لم أرث عنه زهده.. لكنني ورثت عنه نزقه اللاثوري..

ملاحظة:
الصورة المرفقة صورة طريفة التقطتها من شاشة الجزيرة.. الشيفت المكتوب على عجل يشير إلى أن عامودا بلدة في ريف دمشق!! أهذا صحيح يا شباب عامودا؟ أتفبركون حتى في موقع بلدتكم..

  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…