البعث ووجه حمو

د. آلان كيكاني

آية الغرق التمسك بالقش وآية الهزيمة الشتائم وآية الإجرام عدم الاهتمام بصرخات الضحايا وإهمال توسط العقلاء لحقن الدماء , فالغريق يعسعس بيده لا إرادياً يبحث عن شيئ يتمسك به لينجو من الغرق , والمهزوم لا سلاح لديه سوى لسانه السليط يقذف به القذارات ذات اليمين وذات الشمال مغطياً على ضعفه وقلة حيلته , والمجرم السادي يعتبر تعذيب الناس حقاً شرعياً له دون إحساس بألم الضحية ويرى أنْ ليس لأحد التدخل طالما الضحايا هم من مواطنيه . هذه هي حال النظام السوري الذي فقد التوازن وبات يترنح أكثر من أي وقت مضى ومسألة سقوطه أصبحت قاب قوسين أو أدنى في ظل استمرار الاحتجاجات ضده وتزايد الضغوط العربية والدولية عليه .
في المعارك نرى الأقوياء يضربون صامتين دون توجيه الشتائم , بينما الضعفاء يولولون ويملأون الجو صخباً وضجيجاً ويوجهون الشتائم البذيئة وهم يولون الأدبار . وفي ساعات الجدال نرى صاحب الحق هادئاً يكتفي بأدلته وبراهينه القاطعة دون جعجعة أو صياح بينما الباطل يرفع عقيرته دون مناسبة أو داع . ما قام به السفير السوري في مؤتمر الجامعة العربية من التلفظ بكلمات بذيئة ومن بصق على الوزراء العرب لدليل قاطع على إفلاس النظام وفقدانه كل أوراقه وبرهان واضح على أن النظام لم يبق لديه ما يلعب به سوى ممارسة القذارة بتوجيه المسبات في مجلس يجمع وزراء وممثلين عن دول .
يحتكر البعث هذا السلوك منذ وقت طويل لأنه يفتقد السلوك الحضاري القويم الذي يردع صاحبه عن التلفظ بكلمات نابية ترتعد لها طبلة الأذن ويتألم لها الضمير الحي , فقبل عقدين من الزمن لاحظنا هذا السلوك لدى البعث العراقي حين تلفظ عزة الدوري بكلمات تخدش الحياء بحق الوفد الكويتي في المؤتمر الإسلامي , بل وزاد العراقيون حين رشقوا الكويتيين بالصحون في اجتماع طارئ للجامعة العربية آنذاك لبحث موضوع الاحتلال العراقي للكويت . والناس على دين ملوكها , فقد ساد هذا السلوك لدى الكثير من الناس في سورية والعراق ممن لبس ثوب البعث وتخلّق بأخلاقه التي ينقصها أدنى مقومات السلوك الحضاري , وما منتظر الزيدي مخترع فكرة أن الحذاء سلاح عدا عن كونه حامياً للقدم إلا سليل مدرسة البعث العربي الاشتراكي .
إلا أن الأنكى أن يعتبر نظام البعث نفسه مقياساً للجمال والخلق الحسن ورمزاً للرفعة والإباء ومدافعاً عن شرف الأمة العربية وقدسية ترابها والآخذ بيد العروبة إلى شواطئ المجد والسؤدد , ونستشف ذلك من تفاعله العنيف تجاه النقد من الآخرين وارتكاسه الشديد من توجيه أي تهمة له بارتكاب أعمال إجرامية تجاه المواطنين , فهو , من وجهة نظره , ذو سلوك  يعلو على كل نقد وذم ويسمو عن كل سفالة وانحطاط .
واقع البعث القبيح حد العفونة ودفاع مريديه المستميت عن سلوكه أمام منتقديه يذكرني بقصة حمو أحد مواطني بلدتنا الذي لم يترك الله آية من آيات القبح إلا وجعل له نصيباً منها : وجه أسود متسخ وأنف كبير وعيون صغيرة وأسنان متباعدة ولسان كبير وندب كبيرة على الذقن جراء حرق أصابه في الطفولة … ذهب حمو إلى الاستيديو ليتصور وفي اليوم التالي عاد إلى المصور ليستلم صوره ولكنه ما إن التقت عينه بصورته حتى هاج وماج وسبّ وشتم يريد ضرب المصور لأنه برأيه أخرج صوراً قبيحة له , ولكن المصور كان شاباً مفتول العضلات قوي البنية , مسك حمو من مؤخرة رأسه ودفعه بعنف إلى المرآة كانت على الحائط حتى كاد أنف حمو الكبير على تماس مع سطح المرآة وقال له :
انظر يا حمو إلى وجهك , هل بإمكان كل جراحي التجميل في العالم أن يجمّلوا هذا الوجه ؟
اضطر حمو تحت تأثير الخوف بالإجابة بلا .
وسأله المصور ثانية : وهل لأطنان من مساحيق التجميل أن تضفي لمسة جمال على هذا الوجه المشوه  ؟
رد حمو بلا .
ثم سأل المصور ثالثةً : وهل يمكن أن تنظف مياه الفرات ودجلة هذا الوجه الوسخ ؟
أجاب حمو مرة أخرى بلا
فقال له المصور : إذن فماذا عسى أن تفعل عدستي ؟ ثم ركله على مؤخرته وتركه . طأطأ حمو الرأس وغادر الاستديو يجر ذيوله .

نظام البعث في سورية كان بحاجة ماسة إلى مصور مفتول العضلات يصور له مدى قبحه وبشاعته ويركله على مؤخرته حتى يكف عن سلوكه الإجرامي الأرعن , فلم يجد مصوراً بارعاً  مثل أهل حمص .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…