الكتابة النقدية والأقنعة الملوثة (إن البغاث في أرضنا يستنسر)

برزو محمود

لا شك أنّ الكتابات النقدية تحتل أهميةً كبيرةً ومكانة بارزة في المجتمعات المتحضرة، وتلعب دوراً فاعلاً في الإرتقاء بقضايا العلم والفكر والأدب، وتهدف إلى تطوير جميع مناحي الحياة، بإعتمادها منهجية علمية واضحة في اسلوب الطرح والعرض والمناقشة، منطلقاً من طبيعة مرتكزاته وغاياته في البناء والإصلاح والتحديث. بينما يختلف الأمر إلى حد كبير في المجتمعات المتخلفة التي تفتقر إلى المناخ الديمقراطي من جانب، وغياب المراقبة الواعية والمسؤولة في النشر من جانب أخر، وخاصةً عندما يفتقر الكاتب إلى قواعد احترام مهنة الكتابة، ولا يتقيد بالضوابط الأخلاقية، لأنه يتصف بسلوك ينم عن وعي غير ثقافي اساساً ولا يتسم بالأمانة المهنية، مما يؤدي إلى حالة من الفوضى، وخلط الحابل بالنابل، وإتاحة الفرصة إلى بروز عصابات يمكن تسميتها بقراصنة الكتابة غير الشريفة تقودها جوقة شاذة من المشعوذين والمتطفلين الجبناء إذ يختبؤن وراء اسماء مستعارة وهمية أو أسماء مسروقة، ويستغلون جهل وسذاجة العاملين على إدارة المواقع الإفتراضية لعرض مسروقاتهم وخزعبلاتهم الرخيصة والتي تأخذ شكل مفردات مبتذلة أساساً.
 وثمة دوافع ذاتية بوعي منحط وعلاقات شخصية مُريبة تقف وراء هذا النوع المارق من الكتابة التي لا تندرج تحت أي صنف من صنوف النقد اطلاقاً، بل تُحال عفوياً إلى المذابل، لأن مُنتجيها أناس معتوهين في ساحة الكتابة يظهرون في لحظات معينة للإصطياد في الماء العكر، ويُشار إليهم بالأصبع، أي يُعرفون عن طريق الإشارة فقط، وقد أختاروا لأنفسهم هذا الدور بمحض إرادتهم، لأن ذلك كما يبدو يُليق بهم وبمكانتهم الاجتماعية. أعتقد أن الانسان الذي لا يستطيع بناء علاقات اجتماعية سليمة بين ذاته وبين الأخرين (ما حوله من أفراد) لهو دليل واضح على أنه يفتقر بالدرجة الأولى إلى القيّم الأخلاقية السامية، لذا نراه يلجأ إلى طرق بوليسية (مكشوفة ومفضوحة بالنسبة للبعض منّا) بنشر نص من اخراجهم وموقع باسم شخص أخر لإيحاء القارئ بمنزلتهم الرفيعة نتيجة شعورهم المرضي في تضخيم الذات من جانب، والإنتقام بإستعمال كلمات وعبارات تحمل معاني مشينة ممن لا يوقع على إدراج اسمهم ضمن الكتاب العظام من جانب أخر. علماً أنه من الصعب تحديد وتقييم نهائي لكاتب ما بكلمة عابرة من هذا أو بكلمة من ذاك، بل ما يحدد مستواه هو طبيعة ونوعية نتاجاته وأبحاثه الأدبية والمعرفية والإعلامية ليس إلا، في حال امتلاكه لهكذا أعمال. أما إذا كان حدود الكاتب تنحصر في مسافات ضيقة لا تخرج من دائرة التقارير الصحفية ومقالات عرض الرأي والردود السطحية، عندئذ لا يحق لهكذا كاتب أن يطالبنا بتضخيمه في المستوى والمنزلة الأدبية على نحو مصطنع عبر تقييم مزيف أو مديح مبتذل. وصدق من قال (إن البغاث في أرضنا يستنسر).       

الكتابة كنص، بصرف النظر عن طبيعته وموضوعه، يحتمل الصدق والكذب، وهي مسؤولية تقع على عاتق كاتبه سواء في ماهية المحتوى والمعلومة أو في ماهية الأهداف والغايات وما بين الأسطر. والمصيبة التي نواجهها هي بروز فئة قليلة من الكتبة، أحياناً تأخذ شكل عصابة، تقوم بين حين وأخر بنشر مقالات على صفحات الانترنت مستخدمة طرق بوليسية، إذ نواجه نصاً موقعاً عليه اسم مستعار أو أن محرر النص يستعمل اسماً لشخصية حقيقية نال شرف العضوية في هذه العصابة يعمل كمشعوذ يسعى لكسب الفتات هنا وهناك، علماً أنه يعلم جيداً مدى خطورة الاسم المستعار كسلاح وقناع بآن واحد، إلا أن قيّمه المبتذلة تدفعه إلى الكتابة بهذا الدرك الأسفل من الأخلاق، فيلجأ إلى استخدام طريقة غير شرعية في عرض قضية مفتعلة أصلاً بهدف الإساءة إلى الأخر من جانب وتضخيم ذاته القزمة من جانب أخر، علماً أن هذا الرجل سبق له أن سلك هذا المنحى في محاولات يائسة أخرى وسرعان ما تكشف أمره وثبت عليه بالدليل القاطع.  بمحاولته هذه يطرح مسألة تبدو للقارئ أنها منطقية في ظاهرها إلا أنها مبنية على الضلال والأكاذيب لتحقيق مآرب شخصية غالباً ما تكون غير شريفة يهدف من وراءها لفت الأنظار إلى أمر يهمه: إما جمع المال أوتحقيق الشهرة. ولو عدنا إلى هذه النصوص المنشورة خلال السنوات القليلة الماضية، نجد أن غالبيتها تتوخى إما المديح بتعظيم القزم، شاعراً أو كاتباً أو سياسياً، أو مهاجمة كاتباً أخر تحت عنوان النقد أو الرد على نص ما، يهدف إلى الإساءة إلى شخصية أدبية أو سياسية تعود عليه بالنفع لأنه يعمل لصالح جهة معينة يخوض صراعاً أزلياً مع خصومه في المجال السياسي.
بعيداً عن الكتابات المبتذلة التي تُنشر باسم النقد والتي نوّهنا عنها في الفقرة أعلاه، ثمة ملاحظة تسترعي الانتباه إذ نجد أن النقد بنوعيه: البنّاء والهدّام يُنشر في الصحافة الانترنيتية التي لا تتردد في نشر النقد الرديء والهابط جنباً إلى جنب النقد السليم والمفيد، وخاصةً في الحالة الكوردية إذ نجد أنّ كلّ من تعلم شيئاً من المبادئ الأولية للكتابة تراه على استعداد تام أن يفرغ ما لديه من شحنات الحقد والكراهية على الغير لآسباب تتعلق بطبيعته السايكولوجية وعقده النفسية والاجتماعية ونوازعه الداخلية المريضة، أو أنه ينطلق باسم النقد من قاعدة (خالف تعرف) واهماً أن طريقته هذه ربما ستحقق له شهرة في وسطه الاجتماعي المتخلف أصلاً، مرد ذلك إلى النظرة القاصرة للكاتب الذي لا يهمه من القضية الاساسية سوى الإنتقام الشخصي أو بناء علاقات معينة من خلال موقفه المدافع عن شخص له مصلحة معينة معه، أو عضو من كتلته، وموقفه المهاجم على طرف أخر يعلم حقيقتهم ويختلف معهم في الرؤية والرأي، لأن هذا الأول في الأساس لا يملك إحساساً بمسؤولية الكتابة ولا يدري شيئاً بأهدافها السامية سوى الهرطقة التي تثيرها ذهنيته وتصوراته المرضية، وتدفعه مآرب خاصة غالباً ما تكون غير شريفة.
في الختام، رُبّ سائلاً يود عرض تفاصيل المسألة، لكنني لا أحبّذ أن أضع النقاط على الحروف وأكشف عن خيوط المسألة، لأن التحديد يشمل أكثر من كاتب إذا أعتبرناهم كُتاباً حقاً، إن لم يكونوا متسللين في المشهد الثقافي الكوردي. فالثقافة بحد ذاتها سلوك حياتي مهذب وحضاري قبل أن تكون كتابة نص. أكتفي بهذا، آملاً أن يغيّر ويبدّل الزمن في سلوكهم إلى مستوى صفات الانسان المهذب ومزايا المثقف الحقيقي، نعلو بهم ويرتقي بهم المجتمع والأمة معاً. معذرةً . . . إن كنت قاسياً في خطابي هذا.        

16/10/2011  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…