حكاية جديدة عن «جينكو»

دلور ميقري

1
مات أخي الكبير، ” جينكو “، في الأسبوع الماضي.
سكتت الحياة في جسده، فجأة، دونما أن يكون قد عانى من مرض ما، عضال أو طاريء؛ اللهمّ إلا أن يكون قلبه قد تأثرَ بحبوب المهدئات، التي دأبَ على تناولها بانتظام مذ ” تخرّجه ” من مشفى الأمراض العقلية، قبل دزينة من الأعوام.

ستة أيام، كانت قد انقضت على الحَدَث، قبل أن أعلم به من خلال ابني، المُشرف على سن المراهقة والمُقيم في مدينة أخرى: ” بابا.. هل خابرتَ جدّتي.. في هذه الأيام؟ “، هكذا استهلّ الخبَرَ بكلماته المتقطعة، المترددة. صوته، عبرَ الهاتف، وَصَلني من ثمّ متهدّجاً وهوَ يُعزيني بشقيقي؛ عمّه الفقيد.
حينما قالَ لي ابني، أن ” تيتيْ ” هيَ مصدرُ الخبر، فلم يكن ليخطر لي، في وهلة الصّدمة، أنه يقصُد جدّته لأمّه، المُقيمة في الشام. سوء الفهم هذا، كادَ أن يودي بالوالدة المَعلولة، جزعاً ولوعة، حينما همّت زوجتي بتعزيتها. لولا أن إحدى شقيقاتي كانت ثمّة، والتي قطعتْ مكالمة التعزية بأن هتفتْ بصوتٍ منفعل، مُدّعية ً أن المقصودَ هم ضحايا هذا اليوم، ” جمعة حماه “؛ الذين قتلوا في دمشق وريفها.    
2
ابني، كان على حدّ السابعة من عمره، حينما راحَ يتذمّر من الحكايات الساذجة، التي كنتُ أختلقها لكي تجلبَ النعاس له ولشقيقته، التي تصغره بأكثر من ثلاث سنوات. عند ذلك، اقترحتُ ذات مساء أن أقصّ عليهما إحدى مغامرات طفولتي. الحماسة، المُتبدية على كلّ منهما في مختتم الحكاية، ربما كان مردّها للأجواء العجائبية، السحرية، التي أخذا بها: ” بابا.. احلفْ أن هذا جرى لك حقا “، هكذا كانا يقاطعاني بين فينة وأخرى، وهما بأحلى حالات الانسجام والفرح.
الحكايات تلك، لم تكُ حقيقية حَسْب، بل ومُسّجلة من قبلي على الورق منذ عدّة أعوام. ثمّ تهيأت لي، فيما بعد، فرصة نشرها على النت. إن ” البطل ” الرئيس في سيرتي الذاتية، ” مَراجع من مُجلّد العُمْر “، لم يكن سوى شقيقي نفسه، الراحل؛ وخصوصاً في جزئها الأول، ” زهرُ الصبّار “.
كان مفهوماً، ولا غرو، أن يُصبحَ اسمُ ” جينكو ” أثيراً لدى طفليّ وأن يُكثرا من الأسئلة عن وَضعه آنذاك؛ لناحية ما عرفوه مني عن مرضه، تحديداً. إلا أنني كنتُ أتملّصُ من الإجابة الصريحة، بعباراتٍ مُبهمَة تزعمُ أنّ الأمرَ يتعلق بإصابة في الرأس خلال الحرب. 
عامٌ على الأثر، ثمّ تسنى للطفليْن، الملوليْن، أن يُسافرا للوطن فيلتقيا العمّ ذاته؛ الذي أضحى شاغلَ خيالهما الغض، الخصب. وتشاءُ المُصادفة، المَنحوسة، أن يكون ” جينكو ” يومئذٍ في الزقاق وهوَ يهمّ بالتقاط عقب سيجارة من أحد المارّة، العابرين: لقد كان مَحروماً بصرامة من نعمة التدخين داخلَ المَنزل، بالنظر لتكرار إصابته بالالتهاب الرئويّ حدّ الاشتباه، ذات مرّة، بكونه مسلولاً. وعلى كلّ حال، فإن المَشهد ذاك، المَوْصوف، كان غريباً للغاية على طفليّ وربما صادماً لمشاعرهما.
3
لم يرَ ” جينكو ” مَلمَحاً واحداً من أمل، مذ ولوجهِ سنّ الواحدة والعشرين وإلى وفاتهِ وهوَ عند مختتم الحلقة الخامسة من العمر. مُعاناة شقيقي المَديدة، المُمضة، كأنما هيَ صورة لألم شعبه السوريّ؛ الذي يُحاول في هذا العام، عام الموت، أن يُشرع بابَ الحرية والكرامة.
” لقد ارتاحَ من العذاب “، هكذا يُعلّق على وفاة أخي كلُّ من يعرف مأساته. لقد جوزيَ، إذن، برطوبة القبر ووحشتِهِ؛ تماماً، كما جوزيَ صبرُ الشعب السوريّ، الطويل، بالحديد والنار والإبادة والأكفان: لقد بلغت تراجيديا حياة ” جينكو ” مُنتهاها، في عين الأسبوع الذي جرى فيه إحياء ذكرى مجزرة حماه. وكان اتفاقا، ولا ريب، أن أتلقى نبأ وفاة أخي في الليلة نفسها، الشاهدة على مجزرة حمص.
غروبُ عقل ” جينكو “، جدَّ في العام التالي لبدء حرب تشرين الأول 1973؛ وهيَ الحربُ، التي كانت بالمقابل بمثابة نهاية أسطورته ـ كبطل حقيقيّ: وفق شهادة مُعلّمِهِ، النقيب فايز مقداد، فإن شقيقي كانَ من أكثر المُستبسلين في المعارك، متوقعاً أن يُمنحَ وساماً رفيعاً.
هراوة لئيمة، حاقدة، كانت مكافأة السلطة العسكرية لبطل الحرب هذا؛ هراوة، هوَتْ على دماغه في سجن ” تدمر “، الرّهيب، المَشنوع الصّيت. وبالرغم من اختلاط عقل أخي، فإن هذه السلطة الغاشمة، الفاسدة، أصرّت على الاستهتار بالتقارير الطبيّة لحين ميعاد تسريح دورته، الاعتياديّ. كذلك كان حظ الالتماس، المُقدّم لوزارة الدفاع بشأن علاج ” جينكو ” على نفقتها؛ الالتماس، الذي رماه أحدهم في وَجه أبينا مُزبداً مُرعداً، بسبب تضمّنه عبارة تفيدُ بإصابة المَعنيّ نتيجة التعذيب في السجن العسكري.
4
” بستانُ المَلِك “؛ بنواطيره، بملائكته، بأبالسته أحياناً، يتجلى!
بذاكَ الفجر ـ كأيّ فجر آخر ،كانَ؛ متلوّناً بعقيق شفق ٍ صديق، تقصّى خبرَ حضوركَ نشيدُهُ؛ بالساقية تتلوى عافية ً، مُهيّجاً فتورها سراطينٌ مُتجرّدة من دروع الحذر، متقلبة على خابية نقودٍ، فضيّة، بعثرها تباهياً سفعُ الشمس؛ بأحجاركَ السّجيل، مُنتصرة ً تهذي: حجرٌ، فجاجة مكره استوَتْ على باب سرطانات، حمقى، لن تهتديَ بخفافها، أبداً، لحفر جحورها؛ حجرٌ، صخبُ صريره أطاح الهدوءَ المُرقط لحرباءٍ، متوحّدة؛ حجرٌ، بلبَلَ حَوْرَ الغيضة، أينَ البُلبُل المُطمئن يُدوّم شادياً؛ حجرٌ، داعبَ لبلاب قيلولة خضراء، لضفدعة؛ حجرٌ ، في جيب سروالكَ، متماهٍ بعروق لازورديّة لكنز: صار صفقة لحيلتكَ، والبضاعة ُ سلحفاة ٌ جرجرت أعواماً، عملاقة، عبرَ بستان سيعطب عمرَه وعمرَها مذراة ُ الإسمنت المُسلح؛ سلحفاة، طمعَ فيها عمالٌ أغرابٌ، عند الجادّة المستحدثة بكدّهم، فردّهم إلى صوابهم حجرٌ وراء الحجر من غضبتكَ، العاصفة.
 لبستاننا أسطورتكَ؛ أيها المُحارب (1): من صكّ جذع شجرة الجوز، مُتشفياً بمرأى ثمار الخنوع، المُنهمرة من عينيّ الفلاح الصالحانيّ؛ من أثخنَ، مُتسلياً، بطنَ أتان شاردة، مُهتدياً بعلامة الدّم لكونها حُبلى! من بزت شفرة ُ مِدْيتهِ، مُنهالاً بها على كومةِ جِراءٍ، مقصلة َ سفاكين، كيما يُشفي قلبه من علة الشفقة؛ من أضرمَ، مُبدداً ضجرَ الليل، حقلَ قمح عن بكرة أسلِهِ، ليطردَ حيّة ً، داهية، من مكمنها إلى كمين دبَسته؛ من داهمَ ملعبَ مدرستنا، خشية نصر منافس، مدحرجاَ كراتٍ رؤوساً بين الأقدام؛ من عثرَ على لقيته، السماويّة، في حطام أرضيّ لأندادٍ، سبعةٍ، صرعى؛ ولمن الفخاخ على ضفة النهير، ما فتأت الطرائد ” أبناء البنايات “، الأغراب، والمسراب متاهة ” لوط “.. ؟

هوَ البستانُ ؛ ليتجلَ بكَ ، إذاً!
بتلك الظهيرة ـ كأيّ ظهيرة أخرى، كانت؛ معلنة ً حضوراً، عتيّاً، تقرعُ أجراسَها الهاجرة ـ كصُوْر الآخرة؛ بـ ” المصطبة “، مرتخية ً رطبة ً، لاحت خلل أغراس غافيةٍ، مُحيطة بركتها البكر، المتأنقة ـ كحوطة العين؛ بنحت حجرها المُقدّد، بقرمز سمكها الدغليّ، بعارشة المزيكا الصادحة خصلاً أسيلة في مشربيّة جارتها الداليَة، بتهاويل ـ كتشجيرات ” العجميّ “، للزعرور وأخيه الزعبوب، للحبلاس وجاره المَيس، للمشمش وشقيقه الكلابي، للتوت ونسيبه الشاميّ، للخوخ وأبيه الدبّ، للتفاح وقريبه السفرجل، للتين والزيتون وبلدنا الأمين! ليتجل بستاننا، أيضاً، بالأشهل فرَسِكَ، الصموت ـ كبرج صمتٍ؛ الناكص أوباً، متيحاً للرغام النبوءة مَسْيلاً طلِقاً، هازئاً بلجام الفم الأشدقَ، المُزبد؛ بذبابةٍ مُزعجةٍ، نسِجَتْ لاحقاً في شراكٍ لزجةٍ لعنكبوت، جاف الطبع ! ليتجلَ بالأبالسة، أتراب عصبتكَ؛ أقران الشرّ، من مقامرين، لوطيين، نهّابين، مدمنين، غاصبين ، مجرمين، أفاقين، عميان ومجانين؛ أرضٌ واحدة تستقيم بهم، أو تميلُ؛ سماءٌ واحدة تهيمن على هيامهم، الأخرقَ، منقوشة بشمس إلهٍ، تدلى كسلٌ، نبيلٌ، من شرّاباته، المُذهّبة؛ إله خيّرٌ، طفولتنا ملائكته وحراس فردوسه، نواطير بستاننا.

 
إيه أيّها البستانُ!
أيّها النهرُ، الجبلُ، السّفحُ، الخلاءُ، الحيّ، الحارَة، الزقاقُ، المنزل!
يا مهرجانَ الطفولة، الذي ما يفتأ على هبوب السنين أصواتُ صناجاته تصْدى!
أعرفُ أنّ شبح شقيقي، الكبير، حارسٌ يخفرُ بعدُ مَعظمة َ أفراسكَ وأغراسكَ وساقيتكَ ومصطبتكَ وصخرتكَ وغاركَ ومقامكَ ومسرابكَ وحديقتك وحجرتكَ؛ أنّ أحلامَنا فراشاتٌ، تحوّم نهاراً فوق مسالك الروح، الهائمة، لتنتحرَ في مساء المشكاة تلك، المُسرجة تحتَ باب حاميك.
1 ـ اسم ” جينكو ” يعني: المُحارب، باللغة الكردية

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…