يوم من أيام أسرة «سلفية»

جهاد أسعد محمد

تستيقظ “أم جمال” على صوت أذان الفجر المنبعث من مسجد الرفاعي، فتنسل بهدوء من السرير لكي لا تزعج “أبا جمال” الغارق في النوم، وتمضي إلى الحمّام على رؤوس أصابعها كي لا تجفل “سمير” و”سامر” النائمين في الصالون.. تتوضأ، وتعود إلى غرفتها فتصلي “الفرض” و”السنة”، وتبتهل إلى الله قليلاً، ثم تجلس في السرير تقرأ في المصحف حتى السادسة والنصف صباحاً.. فتنهض من سريرها مجدداً، وتتجه إلى الصالون..
“سامر.. سمير.. قوموا يالله…”، توقظ الشابين المتكاسلين، وتتجه إلى غرفة الصبايا، وتفتح الباب: “جمانة.. سمر.. سهير.. قوموا حبيباتي يالله…
 صارت الساعة ستة ونص”، وبينما يتلكأ بعضهم في الاستيقاظ، ويتزاحم البقية على “التواليت”، تكون القهوة قد جهزت، فتحمل الصينية المزدحمة بالفناجين و”الدولة” التي تشبه بحجمها الطنجرة وتعود إلى الصالون، فتضع ما تحمل على “الطربيزة” الكبيرة، ثم تدخل غرفة النوم فتوقظ أبا جمال: “أبو جمال.. القهوة جاهزة”.
يجلس الجميع يشربون القهوة بصمت، أبو جمال النجار “العربي” الساهم أبداً وبجانبه رفيقة أيام الشدة “أم جمال” الصابرة، الرابطة الجأش، ومن حولهما معظم الأولاد: جمانة الموظفة في أحد المصارف العامة، وسمير الطبيب المتخرج حديثاً، وسهير طالبة الآداب، وسامر مدرس الابتدائي، وسمر طالبة المعهد الصحي.. أما الغائب الوحيد فهو  “المهندس” جمال المعتقل منذ شهرين، والذي تم تحويله مؤخراً من أحد فروع الأمن إلى السجن المركزي بـ”عدرا”.
سامر، هو أول المنطلقين، يشرب قهوته بسرعة، ثم يسحب بنطاله وقميصه عن المشجب الكبير، ويتجه إلى غرفة الضيوف فيرتديهما ويغادر بسرعة لكي لا يتأخر عن المدرسة التي تم تعيينه فيها مؤخراً في إحدى قرى ريف دمشق الشرقي..
ثم ينهض سمير لكي لا يفوته الوقت، فإدارة معمل الدواء الذي توظف فيه منذ أشهر قليلة، باتت تختلق الأسباب لطرد ما تبقى فيها من عاملين بسبب الأزمة التي تكاد تتسبب لها بالإفلاس..
يحين موعد النشرة الصباحية على إحدى المحطات الفضائية العربية، فتشغّل سمر التلفاز، ويسمع كل منهم قدر ما يسمح له الوقت من أنباء “الثورة السورية”. سهير تسمع الموجز وتنطلق إلى غرفة الصبايا ترتدي ملابسها “الصبيانية” وتتجه نحو الباب، وقبل أن تفتحه وتغادر تخبر الجميع أنها ستخرج في مظاهرة “الميدان” المسائية.. أما جمانة، فتتابع بعض تفاصيل النشرة، ثم ترتدي ملابسها المحتشمة وحجابها، وتذكّر أباها بضرورة الإسراع في موضوع التبرعات الخاصة بـ”حمص”، ثم تغادر.. وأما “سمر”، صغيرة العائلة، فتبقى مشغولة بالأنباء المريعة، ولا تنهض إلا بعد أن تنهرها أمها: “قومي.. تأخرتِ.. وتقلي لبس.. لا تلبسي مشخلع متل عادتك حاكم الدنية برد..”.
حين يغادر جميع الأولاد، تطلع أم جمال زوجها على عزمها بزيارة المحامي لتقديم إخلاء سبيل جديد لـ”جمال”، ويطلع أبو جمال زوجته على نيّته الذهاب إلى “القدم” قبل فتح المحل، لإحضار بقية التبرعات..
هكذا، يبدأ الصباح وينتهي في هذا البيت الدمشقي المتواضع، ولا تجتمع العائلة مجدداً إلا في المساء أو في باطن الليل.. والحقيقة أنها من النادر أن اجتمعت كلها منذ اشتعال الاحتجاجات قبل نحو عام، فالطبيب سمير كان أول من اعتقل من الأسرة في آذار 2011 بعد اشتراكه بمظاهرة الجامع الأموي، ثم جرى اعتقال “أبي جمال” في بداية نيسان للضغط على سمير الذي اتهم  أنه “ميبّس راس.. وما بدّو يعترف بأسماء رفقاتو السلفيين الكلاب اللي كانوا معو بالمظاهرة”، ثم اعتقلت “سهير” في مظاهرة طيارة في ساحة “عرنوس” في مطلع أيار، وأخيراً اعتقل الابن البكر “جمال” قبيل نهاية العام بعد ضبطه في سيارة تنقل الدواء إلى “الزبداني”.. وحدث أيضاً أن اضطر بعض الأولاد، ذكوراً وإناثاً، أن يناموا خارج البيت خوفاً من مداهمة، أو تحضيراً لمظاهرة أو اعتصام أو مهمة إنسانية.
في هذا اليوم، اجتمعت الأسرة كلها في الليل باستثناء “جمال” المعتقل، الذي لم تفلح جهود أمه في إقناع المحامي برفع كتاب “إخلاء سبيل” جديد له لأن الكتاب الماضي الذي رُفض لم يفت عليه أكثر من ثلاثة أيام، فـ”سهير” نجت بأعجوبة من الرصاص الحي ومن الاعتقال في المظاهرة المسائية التي اشتركت بها، وسمر لم يفلح أحد زملائها المترصدين بها في المعهد باستفزازها لشتم “الرئيس” كما تفعل عادة، وسامر لم ينتبه إليه أحد وهو يمحو ما كتبه التلاميذ على السبورة وعلى جدران الصف من شعارات إسقاط النظام المليئة بالأخطاء النحوية، وسمير استطاع أن يهرّب بعض أدوية الالتهاب من المعمل الذي يعمل به بالتعاون مع ابن صاحب المعمل دون أن يضبطه أحد متلبساً، وجمانة لم يقبل مدير المصرف الذي تعمل فيه أن يتحوّل التقرير الذي كتبه بحقها أحد “المخبرين” إلى أحد فروع الأمن بتهمة جمع التبرعات لـ”للعصابات المسلحة”.. أما أبو جمال فسلّم التبرعات المجموعة في الحي لتنسيقية الحي لتوصلها إلى حمص..
يمر هذا اليوم على الأسرة المتهمة بأنها “سلفية” بأقل الخسائر، أو ربما من دون خسائر، أما غداً أو بعده أو بعد بعده فلا أحد يعلم، أو ربما لا أحد يهتم حقاً.. المهم أن تستمر الانتفاضة العظيمة…
تختم الأم التي تنام مبكراً اليوم العادي بدمعة محبوسة تصر ألا تذرفها أمامهم: “تصبحوا على خير يا جماعة.. ادعوا لـ”جمال” يطلع بالسلامة”..
يختم الأب بعد نشرة منتصف الليل اليوم مؤكداً: “هانت.. ما فيه شجرة وصلت لعند اللي خلقها.. تصبحوا على خير”..
يختم الشابان اليوم العادي: “يالله يا بنات.. فوتوا ع غرفتكم ناموا.. بدنا ننام.. عنا فيقة من طيز الصبح”..
تختم البنات اليوم بابتسامة: “تصبحوا على خير زينغو ورينغو”…
Jihadam2009@hotmail.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…

فراس حج محمد| فلسطين

-1-

لا تعدّوا الوردْ

فما زالتِ الطريقُ طويلةً

لا نحن تعبنا

ولا هم يسأمون…

-2-

ثمّةَ أُناسٌ طيّبونَ ههنا

يغرّدونَ بما أوتوا من الوحيِ، السذاجةِ، الحبِّ الجميلْ

ويندمجون في المشهدْ

ويقاومون…

ويعترفون: الليلُ أجملُ ما فيه أنّ الجوّ باردْ

-3-

مع التغريدِ في صباحٍ أو مساءْ

عصرنة النداءْ

يقولُ الحرفُ أشياءً

ويُخفي

وتُخْتَصَرُ الحكايةُ كالهواءْ

يظلّ الملعبُ الكرويُّ

مدّاً

تُدَحْرِجُهُ الغِوايَةُ في العراءْ…

-4-

مهاجرٌ؛ لاجئٌ من هناك

التقيته صدفة هنا

مررتُ به عابراً في…