ثقافةُ الريحِ.. أرشيفُ الأسى*

هيثم حسين

قد يقول قائلٌ بأنّنا ما عدنا نحتاج الشعرَ في هذا الزمن الذي قد ترقّم فيه الإنسان. وقد يبالغ آخر بأنّه قد أفلحت في كثير من الأماكن محاولاتُ تبليد المشاعر والأحاسيس، فلا حاجة إذن إلى الشعر.
نعم. تمضي الحياة بدون الشعر، ولكن كيف ستكون تلك الحياة…؟!
سيعيش أحدنا آكلاً شارباً نائماً، سيعاني فراغاً روحيّاً لا يُسدّ بغير الفنّ، وأقول الفنّ بمعناه الواسع، ومن ضمنه الشعر الذي به تنضاف إلى حيواتنا قيمة، وتتّخذ معه لنفسها اعتباراً، هو حقّها، وبدونه تبقى معلولة جوفاء..

شفيار بعشقه لليل كما يدلّ معنى اسمه بالكرديّة، يسعى عن طريق عشقه للشعر، أو عشقه الشعريّ كما هو بادٍ في مجموعته “ثقافة الريح” أن يسدّ بعض النقص الحاصل في “الكريّات” الشعريّة التي تسري في دماء كلّ فردٍ، بفعل ما قد نصطلح على تسميته بالحضارة الرقميّة.
لا أمارس هنا تزكية للمجموعة أو تقريظاً للشاعر، ولا أحاول التعتيم على رأي القارئِ الناقدِ أو مصادرته رأيه، لتمرير القصائد دون مساءلة، أو دون تدقيق.. بل أدعو كلّ قارئ أن يستنطق الأحرف والكلمات والسطور، وأركّز على التنقيب ما بين السطور لأنّها تخفي أكثر ممّا تظهر.. فهو يؤرجح قصائده  بين التلميح المكبوت والتصريح المقصود..
أيّ ثقافة هذي التي تثقّفنا بها الريح التي تنثر الكلمات وتذروها قصائد معنونة على صفحات هذه المجموعة التي تنسكن بلوحات محترقة وأساطير مُنتساة  وثورات مفشَّلة.. ابتداءً بإهدائه إلى المجهولة التي تُعرف بالتنكير ومروراً بالقصائدِ المآسي وانتهاءً بالنقاط التي تتسلسل واعدة ببداية قادمة مختلفة. 
نراه يأسى وهو يصوّر شاعراً الأهوال التي تحلّ بمدينته؛ بمُدنه المتوحّدة في واحدة، حيث يكون الاختلاف بيّناً بينها وبين غيرها من المدن.. فمدينته عندما تجوع تمضغ الوحل، وتشرب النار إن تعطش، كما تغفو في الأتونِ التنّورِ الشرقيِّ، أو الأتون المدبَّر، ثورات تسع لم تحقّق مبتغاها في وطن لا يجوع أبناؤه، أو يعطشون،ويظلّون ساهرين للمحافظة على مكتسبات ثوراتهم، ولينجب هذا الوطن المؤلَّه أطفالاً ينفخ فيهم من لدنه الأرواح.. ليكون الوطن ذاك حينذاك جديراً باسمه. كما بدا في قصيدة “مخاض”.
ولا يخفى في المجموعة التمرّد على الثقافة الذكوريّة المستبدّة بالعقول والقلوب، وعلى الازدواجيّة التي تطبع التعامل حين يقول: “وشعب الذكور منشغلٌ بصنع تمثال الحرّيّة”. ترى ماذا تجدي التماثيل حين يكون المنشغلون فيه موتى، موتى يحاولون تخليد الموءودة؛ الحرّيّة بصنع تمثال لها، هرباً من مصارحة أنفسهم بعكسها من الاستعباد المغرق؟!
كما يستنبط – أحياناً – بعض العناوين من النصّ القرآنيّ دون أن يشترك مع المتضمَّن في المعنى، مثل قصيدته ” آية الكرسي”، حيث هنا تؤرّخ الرغبات المصوّرة مشاهدَ مكبوتة في الذاكرة فضيحته لألف عمرٍ قادمٍ.. وليحتار في بحثه عن جنسيّته، أو لربّما هويّته المستباحة المبعثرة بين إمبراطوريّتي العمامات السود والعمامات الحمر..
كما أنّه لا يخفي ولعه بالنار والاحتراق، كأنّي به يعشق النار، ويقدّم لها ولاءه وانتماءه، حيث ترد الكلمات التي تدور حول خواصّ النار أكثر من مرّة، وقد يصحّ أن نسمّي ذاكرته بأنّها ذاكرة ناريّة، النار تقدَّس، النار تطهِّر، النار تقضي على كلّ حياة، أبادت أجيالاً ولن تتخلّى عمّا اختيرت له من مهامٍّ، ما لم يوقف في وجهها، لتتآكل نفسها، فتكون هي الضحيّة في بحثها عن ضحايا لها.
الهمّ الكرديّ مؤرشفٌ في هذه المجموعة،فمدينته هي: عامودا وهي تحترق، هي حلبجة، هي عفرين، هي مهاباد، هي آمد ..، هي وطنه الذي سيبقى باحثاً عنه، مأساتها هي مأساة شقيقاتها، ومآسيهنّ مأساتها، فحين تحترق عامودا تئنّ عفرين، وحين تدفن عفرين فلذّات كبدها تنـزف حلبجة وتبكيها الأخريات كذلك بكاءً مرّاً دون استسلامٍ وهنّ ينشدن لبعضهنّ.. ومعاً:
Ey reqîb her, maye qewmê kurd ziman
Naşikê û danayê topên zeman …

 وفي قلب ثقافة الريح يكون الكفرُ العهرُ المتجسّدُ بطلب من السلطان يتراوح بين الأمر والنهي حين يقول:
“أوصدوا الأبواب / سدّوا كلّ المنافذ / امتنعوا عن التنفّّّس/
اختنقوا! / و لا تشهقوا هذا النسيم العميل!!” 
كما أنّه يلعن الصمت الذي تقابل به عدد من المدن قضيّته، مستحضراً الرمز التاريخيّ، صلاح الدين، المضحّى به، المتاجَر باسمه، المحارَب تحت لوائه بنو جلدته المُساطون بإنجازاته التي حرموا منها.
يعترف في نهاية “مذكَّرات” بأنّه يجب أن يعثر على كيانه وشخصيّته المستقلّة، بعيداً عن السلوك الإمّعيّ التابع، ويكون اعترافه هذا خطيراً وجريئاً ومكلفاً، رغم ذلك يعترف، ويجاهر بالحقيقة التي هي واحدة دوماً، ولا تقبل معها أيّ احتمالٍ، يكون اعترافه في المقطع الرابع من قصيدته “مذكّرات”:
“ما دامت أيادٍ تحرّكني / وشفاه تتحدّث عنّي
/ كيف أقنع أطفالي… بفنوني؟!”
ويخترق الشاعر في قصائده المحظورات، ولا يتوانى عن الاحتفال بالنوروزِ الرمزِ، فيركّز إصراره ويستجمع كلّ قواه وإمكاناته مُحيياً زين العاشقة التي لن تبالي بأيّ خطرٍ في سبيل الاحتفال مع حبيبها بالنوروز، لتكون زين الآية الكبرى التي تعيد إحياء الآيات كلّها، لتكون العنقاء الكرديّة التي تثور وتثوّر معها ممو:ها، ثمّ ليغيظا معاً “بكّو”؛ محترفَ الوشاية، المتطبِّبَ بالمؤامرة، وذلك في المقطع الخامس من قصيدة “الآيات الكرديّة”:    
أصرّت زين / أن تحتفل بالنوروز / رغم حظره /
فأشعلت نيران عشقها / على قمم قلب ممو / و استشهدت في سفحه..
تتوحدّ المحبوبة في الوطن، يغوص الوطن في أعماقه، يستخرج منه الدرر وينثرها كلماتٍ شاعريّة.. وتكون الأنثى المؤسطرة، الحاضرة الغائبة في معظم القصائد.. يباغَت بأسرابها ، أحياناً، وهي تحجل إليه، قبل أن يصبح لها وطناً.. وفي أحيان أخرى يتنسّك تاركاً الدنيا الفانية بعلاّتها راحلاً إلى حضنها متعبّداً عينيها.. وهي تُصادقه الجبال وتصادقها معه، الجبال المجبولة بالدم الكرديّ، الجبال التي تتبادل مع الكرديّ التمرّد، الثورة، الشمم،.. والعناد.
وقريباً من الختام تكون أحلامه أكبر من براويزها، ويكون وجه حبيبته محتضناً نكساته، باهتاً كصحف السلطة غير المقروءة، ثمّ يعاهد روكسانته التي تبدع الأنوثة بعطرها، وتقتحم الرجولة بسحرها، بأن يظلّ طفلها المدلَّل، وفارسها المفضَّل، ونبيّها المبجَّل.
هوذا شفيار، في القصيدة الختاميّة، منكسر القلب محطّمه، يبوح بما سيبقى يؤلمه في أرضه ووطنه، وذلك في قصيدة “صلاة القرفصاء”:
هنا / العشق موءود في خيالنا / لا وطن نرتديه في ثلج الشمال /
ولا قمر نعشقه / يبدّد في كياننا أشباح الرجال ….
كأنّه في الختام غير مريدٍ أن يبالغ في تفاؤله، يضع حدّاً لخياله، راجعاً به إلى الواقع، إلى “هنا” ..
تلك بعض من المقاطع  التي وردت في المجموعة، وهذي دعوة للدخول إلى عوالمها الرحبة. 
لا أقول إنّ الشاعر قد اختطّ خطّاً شعريّاً لم يسبقه إليه سواه، أو أنّه لم يتأثّر بغيره من شعراء العربيّة،  لكنّ ما يميّزه  عن سواه من ناحية اللغة الشعريّة، الروح الكرديّة التي تحمل الوجع الكرديّ في الحلّ والترحال بين رياض الشعر، باحثاً عن قصيدته المأمولة ولغته الخاصّة التي يجب أن تغدو متفرّدة مختلفة.
يبقى أن أقول بأنّ مجموعة “ثقافة الريح” جديرة بالقراءة، وبالرغم من بعضٍ ممّا يعتورها من الشطط الشعريّ الذي يبدو وكأنّه لا بدّ منه هنا وهناك.. هي خليقة أن تكون موضع الاهتمام.
ويستمرّ شفيار عاشقاً ليلَه وشعرَه، منشداً ليلاه – وطنَه، بانتظار انبلاج الفجر الذي سيحمل له الحقيقة التي يسعى إليها كلُّ مبدعٍ صادقٍ.                                                                                        
         
   عامودا – آب 2006 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مقدَّمة مجموعة ” ثقافة الريح” الشعريّة، التي صدرت حديثاً في إصدارٍ خاصٍّ للشاعر الكرديّ العفرينيّ: شفيار.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أميرة لوند

التراث والأجواء:

مهرجان زاخو الدولي: ملتقى الفن والتراث في أحضان الخابور، تألقت مدينة زاخو العريقة، بوابة كوردستان النابضة بالتاريخ بانطلاق فعاليات مهرجان زاخو الثقافي الدولي الذي تحول إلى تظاهرة فنية وثقافية كبرى تجمع بين أصالة الماضي وإشراقة الحاضر. وشهد المهرجان حضوراً لافتاً من المثقفين والفنانين والوفود الدولية ليتحول الحدث إلى جسر حقيقي للتواصل الثقافي والإنساني…

نارين عمر

حين يغفو المساء
أتصفّح مفكّرة نهاري
ألمّ شمل صور موبوءة
بحمّى الرّادار تشعّ
من نقوش تتقمّص متاهة الطّلاسم
تتمازج الصّور تتناغم النّقوش
أدير العدسة الرّادار صوب
جهات مرئيّة في جغرافيّة الفكر
كمشدوه إلى حماقة حكيم
أفتح الفم نصف فتحة
من صورة لم أتنبَّه إلى ولادتها
كطبيب يرى نبض مريض الغيبوبة
يتأرجح بارتباك
أمعن النّظر في منقوشة خانتها
ألوان قوس قزح
أرخي معصرة الفكر
أمتصّ عصيراً مزاجيَّ المذاق
أتابع اهتزاز الصُّور
أبتلع…

ا. د. قاسم المندلاوي
الفنان الراحل “عدنان دل برين”

الفنان الراحل “عدنان دل برين”، واسمه الحقيقي “عدنان موسى”، أطلق على نفسه لقب “دل برين” بعد وفاة والدته، إذ ذهب إلى قبرها وبكى طويلا متأثرا بفقدانها، ومنذ تلك اللحظة سمى نفسه بهذا الاسم، الذي يعني “صاحب القلب المجروح”. وهو موسيقي ومغن وملحن عفريني، اشتهر في غرب كوردستان.

<p...

إبراهيم اليوسف

صدر حديثاً عن دار النخبة للنشر والتوزيع في القاهرة كتاب جديد بعنوان” عين ديوار تاريخياً وجغرافياً” للباحث والكاتب عمر إسماعيل، في طبعة أنيقة جاءت في نحو 458 صفحة من القطع المتوسط، متضمناً دراسة موسعة وشاملة عن واحدة من أهم القرى الكردية الواقعة في أقصى شمال شرقي سوريا.

وقد قدّم للكتاب الكاتب والباحث خورشيد شوزي، الذي…