وامسعـــــوداه…..!!!

قادر عكــــيد

أشعة الشمس ترشق فروة الرؤوس؛ تحرقها, ترفع من حرارة الأجساد المرتجفة العالية قبلا, تـُضيّق المسافة بين الهدب المبتلـّة بمالح الماء. الطريق العريض الذاهل المكتظ  بأجساد بشريّة حيارى تـَلين أرضه تحت وقع أقدام ملتهبة, غدران المياه المتشكّلة فوق سطح ذلك الطريق تغمر الظمآن  بحلم ورديّ جميل… ذاك ليس ماءً, إنه سراب….!

عجوز طاعن في الألم, بالكاد تمشي, قد حفر الدهّر أخاديد المرارة على صفحة وجهها المتجعّد, نضبت الحياة في أوردة كفيها, كما أوردة عمرها الذي لا يشي – حسبها- بجميل جديرٌ بالوقوف عنده.
هذه العجوز التي قد اتـّخذت ركنا قصيّاً, مقتعدة حجرة كبيرة, بعيداً عن الجموع, ممسكة بيد طفل صغير قد يكون حفيدها, تشدّ بإحدى يديها على منديل ملـوّن في كفها, بينما أسندت الأخرى إلى وجه فقد  نضارته تحت ثقل الانتظار.
فجأة انتفضت, رتبّت أردان ثوبها الكرديّ, وبحرقة, ومن كل مسام بجسدها خرج صوت هزّ عرش الموت:
– وامسعــــــوداااااااااه… لم يبق إلاه, قتلــوه أيضاً, قتلوه…!
بسماع ذاك الصوت كموجة من الألم هاجت جموع الرجال, النساء, الأطفال, وصوب جهة واحدة جرت, تعثر البعض, سقط آخرون, ألقت النسوة المناديل التي تغطي رؤوسهن ولوّحن بها في الهواء, نادى الرجال, بكى الأطفال, زغردت الفتيات, وتوعّد الفتيان.
العجوز التي صرخت, لوّحت هي الأخرى بمنديلها الملوّن وزغردت, السنوات السبعون التي تثقل ظهرها المحدودب, ما كانت لتحدّ من حركتها وهي تعدو كصبيّة في الرابعة عشرة من عمرها فوق ذلك الرصيف الملتهب, كانت تحاول جاهدة أن تكون السبّاقة إلى احتضانه..!
الشال الذي كان يغطي شعر العجوز الأبيض انسل عنه, سقط منديلها من يدها, تعثـّر حفيدها, لم تكترث. سقط الحفيد أرضاً, ظل يبكي إثرها منادياً, ما عادت العجوز تسمع أو تعي ما حولها.
ما عاد يُسمع للعجوز صوتاً, عيناها مشدوهتان, شفتاها يابستان,  تتحدّث بيديها, لقد انهارت, وسقطت أرضاً..!
توّا انتبهت لحفيدها, التفتت, نظرت إليه, قائلة:
– انهض يا مسعوديَ العزيز, يا خروف جدتك, لا تبكي, فدتك روحي, أنا جدّة مسعود, أنا جدّة الأسود.
التفتت إلى الجموع الثائرة ثانيّة, هزّت رأسها مهتاجة:
– ألا فاهرع لنجدتنا يا مسعوديَ, ها هي قامشلو خالية, خاوية, لا مؤنس لها..!
حدّقت في حفيدها ثم أردفت:
– ألا فانهض يا بنيّ,  هذا ليس زمن السقوط.
نهضت متثاقلة, أمسكت بيد حفيدها, حضنته بشدة, جفـّفت دماؤه, قبّلت رأسه, حدّقت في عينيه بنهمرفعت رأسه للأعلى, وقبل أن تسقط على تجاعيد وجهها دمعتان كانتا قد أبحرتا في عينيها , أشارت بيدها إلى ذلك الطريق الذي غطت وجهه جموع الثائرين :
–  ها قد أحضروا الجسد الطاهر المقدّس يا بنيّ, جسد كلمة الحقّ,  جسد إرادة الشعب, جسد لسان المهمّشين من شعبي, جسد معشوق الخزنويّ. إن قامشلو اليوم خالية لا أثر لمعشوق فيها. بنيّ, هما كلمتان اسمعهما من جدّتك: صراخي قد عبر نهر دجلة, واستقر أمام باب رمزنا, قائدنا… لكن لا جواب. قد منحتك اسماً عظيماً يا بني, أسميتك مسعوداً, أملي فيك كبير, ألا تنسى – مثل مسعوديَ الكبير – حق نور عيون الأمــّة, يجب أن تنخر دماء الشهيد من عقولكم دوماً, أن تشقّ أستار قلوبكم. العمامة التي ضرّجت بالدماء, لن تغسل إلا بالدماء.
مرّة أخرى, أمسكت بيد صغيرها, هرعت صوب الجموع, حاسرة الرأس, حافية, وهي تنادي:
–  وامسعوداه… قتلوا شيخي… أين أنت….!!!؟

كتبها وترجمها عن الكرديّة: قادر عكيد

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

رياض عبد الواحد| العراق

يمكن أن نلج إلى هذه المجموعة من منافذ عديدة، أولها ثريا المجموعة/ أقدحُ شررَ الكلام، تحليل الجملة “أقدح شرر الكلام” يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات: فونيمي (صوتي)، ودلالي (معنوي)، ونحوي (تركيبي).

التحليل الفونيمي (الصوتي):

الكلمة: “أقدح”

الأصوات الصامتة: (همزة)، (قاف)، (دال)، (حاء).

الأصوات الصائتة: (فتحة قصيرة).

البنية الصوتية: همزة قطع في البداية، يتبعها صوت قاف انفجاري…

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين