الكتابة الاستذكارية

إبراهيم اليوسف
 

غالباً، ما يضطرُّ الكاتب إلى اللجوء للكتابة الاستذكارية، عندما يكون تحت سطوة حدث تم في ماقبل، وباتت ثمة مسافة  تحول بين زمان الحدث ولحظة الكتابة، وهي غالباً ماتكون كتابة وجدانية، لأن صاحبها يلجأ خلالها إلى ذاكرته، ينبشها، كي يستعرض مفاصل من ذلك الحدث، يمكن تناولها، حسب عنوان المناسبة التي يعيشها، في ماكانت شخصية، أو يعيشها من حوله، في ما إذا كانت عامة، يلتقط مايلزم من خيوط تلك المناسبة، ويقدمها إلى متلقيه، لتكون بمثابة رحلة إلى التاريخ المعيش، قريباً كان أم بعيداً.
وطبيعي، أن في كتابة المرء ليومياته، حسب وقوعها، دوراً كبيراً، في ألا تضيع أية أجزاء مهمة من الوقائع التي عايشها، ولتنبض هذه الكتابة بالحياة، في ما إذا توافرت للكاتب، شروطها كاملة، من دون أن يكون هناك مايشوب تسلسلها الواقعي، كما يمكن أن يتوافر كل ذلك بفضل عاملين، أحدهما الاستعانة بكتابة اليوميات، وثانيهما من خلال توافرالذاكرة القوية التي لابدَّ منها، عندما يكون الفاصل الزماني بين الواقعة ولحظة الكتابة شاسعاً، حيث في إمكان مثل هذه الذاكرة التعويض عن أي خلل تتعرض له هذه الكتابة.
 
وبدهي، أن قوة الحدث، أو أهميته بالنسبة إلى المدوّن، ومن حوله، إنما يوفر فضاء يهيء ديمومة سطوة الحدث، وسهولة تحويله كتابياً-وهو ما ينطبق على بقية جوانب الفنون الإبداعية- ليعود الكاتب إلى هاتيك التفاصيل، والنقاط النقاط الأكثر إثارة في الحدث، من أجل جعلها مادة كتابية، توثق له، وتنصف أبطاله، ولعل المهمة تغدو أسهل أمام أي تنطع من قبل الكاتب لتوثيقها، في ما إذا كان هناك شهود عيان، على سلسلة تفاصيل هذا الحدث، وهو ما يمنح هذه الكتابة، مصداقية كبرى.
 
وقد باتت هذه الكتابة -الآن- في ظل  ثورة التكنولوجيا أكثر مقدرة على توفير مثل تلك المصداقية، مادامت أجزاء كثيرة من الحدث المتناول في متناول الأيدي، بل إن الذاكرة الإلكترونية التي يتم اللجوء إليها، حالياً، لتسهل عملية تدوين المادة الاستذكارية، كي تجنِّب الكاتب بهذا استهلاك المزيد من الوقت بحثاً عمن واكبوا الحدث وعايشوه، ما يجعل من إنجازات هذه الثورة بمثابة ذاكرة آدمية إضافية، في مواجهة آفة النسيان التي تعد في جزء منها نعيماً كما قد يرى ذلك بعضهم…!.
 
ولعل تناول المناسبة، يغدو أسهل، عندما لايتجاوز عمر شريطها الزماني، سنة واحدة، وأن شهود الحدث ليسوا مجرد أفراد عديدين، وإنهم يتجاوزون إطار الأسرة، والشارع، والحي، والمدينة، والبلد، بل إن كل هذه العناوين لتغدو مجرد مركز،لدائرة كونية، حين نكون في إهاب تدوين سيرة بطل، هو مشعل في البسالة، ومشعل في الرؤى، ومشعل في الحكمة، أو الكتابة، الأمر الذي يجعل هذه الكتابة جد سلسة، وسهلة، ومستساغة، ومؤثرة، وكأن بطلها نفسه لايزال يكتبها لمن حوله، بدرجة عالية من الحماس، وهي خصيصة لا تتوافر إلا لدى الأفراد الاستثنائيين، ذوي الأرواح الفريدة، الاستثنائية، التي تكاد ألا تتكرر بسهولة….!.
 
من هنا، فإن الآفاق، باتت تنفتح على مصاريعها، أمام هذه الكتابة، التي قد توفر للكاتب بعد ألف عام، على سبيل، كي يجد بين يديه، كماً هائلاً من حياة مستنسخة لأشخاص، أو أحداث معينة، وما عليه، إلا أن يعيد ترتيبها، متحلياً بروح الباحث، وشروط البحث، كي يهدم البون الفاصل بين الحدث ولحظة الكتابة، وكأن ثورة التكنولوجيا باتت تختصر الماضي، وتذهب به إلى الحاضر، ليكون كائناً يعيش على مقربة منا، نستعيده، أنى أردنا….!.
 
elyousef@gmail.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…