إلى قيادة كردستان العراق: عليكم بالدارما السورية و استثمار الفرصة

  شيروان ملا إبراهيم

لا يخفى على الجميع مدى تأثير الدراما السورية و ممثليها على عقلية العالم العربي و الناطقين بالعربية، نظراً لما حققته من نجاحات فائقة في العقدين الماضيين و من كل النواحي التراجيدية، الكوميدية، الإجتماعية، العاطفية…. إلخ

إن وجود هكذا دراما ناجحة و ممثلين سوريين بارعين، سوّقت ثقافات المجتمع السوري و عاداته إلى كل الدول العربية، و من البديهي ان احدى الطرق العصرية لتسويق الثقافات و تصديرها إلى الغير بات عن طريق التمثيل أيضاً و بشكل قوي، خصوصاً بعد اندلاع ثورة العولمة و الفضائيات و غيرها من التقدم الحاصل في وسائل الإتصال.
في الثورة السورية و سوء الأحوال لهذا البلد، ناهيك عن البطش الفظيع للنظام الحاكم بحق الشعب البرئ و الصامد، شلّت كل حركات الفن في هكذا بلد لملتقى الحضارات، و أبرزها شل حركة التمثيل و انتاج المسلسلات، فقبل الثورة كان معدل الإنتاج الدرامي السوري قرابة 60 مسلسل سنوياً، إلى أنه و في السنتين الأخيرتين نزل المعدل إلى 15 مسلسل فقط سنوياً، و معظم هذه المسلسلات ليست إلا مكملة لعقود مبرمة سابقة و قديمة ليس إلا، أي عقود بين بين الممثلين و الكتاب و المخرجين و شركات الإنتاج في سوريا لاكمال أعمال بدأوا بها قبل الثورة، أي أنه لولا تلك العقود القديمة لكانت الداراما السورية حالياً في شلل تام
في كردستان العراق الذي يعتبره المراقبون بلداً ناشئاً بسرعة فائقة، و بلدٌ طموحٌ يسعى إلى مقارنه نفسه في السنوات القليلة القادمة مع الدول الأكثر تطوراً في الشرق الأوسط و المنطقة، بالتأكيد عليه أن يتطرق إلى التقدم الفني أيضاً، خصوصا من ناحية التمثيل، كون الفنون التمثيلية في كردستان العراق من (مسرح، أفلام، مسلسلات) شبه معدومة بالرغم من الرخاء الإقتصادي، و هذا الأمر يدفع بأهل كردستان العراق و مجتمعه إلى الالتجاء إلى متابعة الثقافة الفنية لدول الجوار و غيرها من الثقافات العالمية، و بالرغم من عدم اتقان معظم أكراد العراق للغة العربية، إلا أنهم و في السنوات الأخيرة باتوا من أكثر المتابعين للدارما السورية، في إشارة إلى تعطش هذا المجتمع إلى الخروج من واقعهم الروتيني و كذلك هرباً من برودة الإعلام الكردي التلفزيوني المشوه و المقتصر فقط على الشأن السياسي و الحزبي و الخدمي فقط، مع اهتمام ضئيل بالمجالات الأخرى في الحياة.
 
إن وضع الدارما السورية و الممثلين السوريين خصوصاً الكثيرين الذين يساندون ثورة شعبهم يرثى إليه الآن، و هم بالتأكيد بحاجة إلى حاضنة “كفوءة مادياً” لهم كي يستمروا في عملهم المبدع، ناهيك عن كُتاب السيناريو و المخرجين المرموقين في سوريا، أي الذين أصبحوا جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لمجتمعات العالم العربي بمن فيهم شعب كردستان العراق أيضاً، لهذا فإن قيادة اقليم كردستان و كذلك رئاسة الحكومة الكردية، عليها عدم تفويت مثل هكذا فرصة ذهبية لها من جهة، و كمساعدة (طبعاً ليست مساعدة مجانية) لأبناء بلد جار من جهة آخرى.
إن الطريقة التي تستطيع حكومة كردستان إلى كسب الدراما السورية و احتضانها على أرضها و تحت رعايتها، تكمن في أن تلعب الحكومة نفسها دور المنتج المنفذ و ماشابه، أي بحيث أن تكون الحكومة نفسها منتجة للدراما السورية عن طريق شركات انتاج تلفزيوني هي نفسها تؤسسها أوعن طريق شركات مرموقة و سابقة التأسيس مثل “مركز ميرگ للإنتاج التلفزيوني” في أربيل الحديث التأسيس و مثيلاته، و إن كان هذا الأمر يشكل عبئاً على الحكومة مثل مسائل الوقت، فبامكان حكومة الإقليم دعوة حتى بعض شركات الإنتاج التلفزيوني و الدرامي السورية على أرضها، بحيث تستمر في مزاولة عملها كما كانت في الماضي، لكن هذه المرة على أرض كردستان العراق و رعاية حكومته، أما من ناحية الممثلين السوريين، فمعظمهم بانتظار ضوء أخضر بسيط من أي دولة كي تأويهم لمزاولة عملهم و ابداعاتهم الفنية.
قبل أيام و أثناء لقائي مع كاتب السيناريو السوري (سعيد محمود) المقيم حالياً في أربيل، أكد لي بأن العديد من الممثلين السوريين خصوصاً الفارين حالياً إلى خارج سوريا، يقترحون عليه المجئ إلى كردستان العراق كأرض آمنة و خصبة في الشرق الأوسط لإنتاج الفن الدرامي و الاستمرار بالتمثيل السوري…. هذا كان على لسان الصديق سعيد محمود نفسه بعد أن سمع الفكرة من العديد من زملائه الممثلين في الدراما السورية و حتى بعض المقيمين حالياً في سوريا (و أتحفظ على ذكر اسمهم لسلامتهم الشخصية)، و تأكدنا بأن الممثلين أنفسهم يقترحون العمل في الإقليم، فكيف لو أن حكومة الإقليم نفسها بادرت بهكذا موضوع عظيم له مستقبل بارع، و كذلك فائدة باهظة لإقتصاد و شهرة كردستان العراق أيضاً.
إلى السادة في قيادة و حكومة كردستان العراق، تعلمون جميعاً أن سوريا تتجه إلى الحرية، و حرية هذا البلد بالتأكيد ستكون مفتاحاً للكثير من الآفاق الاستراتيجية لكردستان العراق، فعلى الأقل لوجود جزء كردستاني فيه و كذلك فإن الطبيعة الجغرافية للبلدين تجعل من سوريا صلة وصل لكردستان بالبحر المتوسط و العالم العربي و غيره في المستقبل القريب جداً، لهذا من الواجب السياسي و الفرض الاستراتيجي أن يمارس الإقليم سياسة ارتباط بعيدة المدى مع المجتمع السوري، و ليس سياسةً مقتصرةً على دعم أحزاب سياسية كردية ربما ليس لها أي مستقبل في الخارطة السياسية القادمة… و من ناحية أخرى فإن شعب كردستان نفسه بات عرضةً للتأثر بثقافة الغير كالدراما السورية و كذلك التركية المدبلجة إلى العربية (باللهجة السورية)، و إن وجود عدة أماكن و محال تجارية في أربيل باسم (باب الحارة) على سبيل المثال، لهو دليل قاطع على دخول التمثيل السوري حتى لبيوت مجتمع كردستان العراق أيضاً، لهذا لماذا لا يكون هذا التمثيل تحت رعاية حكومة الإقليم نفسها، و تقوم بتوجيهها كما تشاء بما يخدم المصلحة الإقتصادية للإقليم من جهة، و للدارما السورية من جهة أخرى….
إن تشتت الدارما السورية كارثة للشعب السوري و لكل متابعيها في العالم العربي، لكن في نفس الوقت فرصة ذهبية لأي دولة جارة لاستثمارها، كإقليم كردستان العراق على سبيل المثال، قبل أن تُقدم دولٌ أخرى على رعاية هذا الإبداع السوري مثل قطر أو الإمارات أو غيرها… خصوصاً و أن بعض المعلومات الموجودة لدي، تقول بأن جهات عديدة من الدولتين المذكورتين، تفكر بكسب الدارما السورية على أراضيها و تحت رعايتها.
https://www.facebook.com/sherwan.melaibrahim

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…