قولبة العقل الكوردي

 فرمان صالح بونجق

إن إحدى أهم مفارقات تطبيقات العلوم الإنسانية،  تكمن في أن بعض السمات الأساسية للشخصية الكوردية تتنافر مع بيئة هذه الشخصية ، التي لم تخترها لنفسها ، وإنما أُوجدت لها قسراً ، وتأبى خاصية القولبة حيث أُريد لها ذلك ، بل وتتمرد على جزء من ذاتها أحياناً ، خاصة إذا كان هذا الجزء منها قد تعرض للترويض أو التدجين ، بسبب تشويه متعمد وممنهج لهذا الجزء ، ويكون هذا الجزء على الغالب جزءاً ضعيفاً غير محصن بثقافة العقل الجمعي القومي ، وقابل للإنجراف الآني ، غير آبهٍ برادات الفعل الكليّة ضد هذا الجزء، ويُنتج هذا الجزء حيزا تاريخياً فاسداً بمقاييس الأمة التي حافظت على شخصيتها الحقيقية خلال عقودٍ طويلة نسبياً.
العقل الكوردي الذي يتسم بالمرونة إزاء تعاطيه مع الأزمات ، يمتلك خاصية أخرى لاتقلل من شأنه ، وإنما تصبغ عليه وفرة من القدرة على التأقلم ، إذ ينكفئ على نفسه عندما تتطلب المرحلة ذلك ، ويتمدد في المراحل الأكثر انفراجاً ، وقد تكون هذه الخاصية نتاج التجربة الطويلة من المعاناة ، التي أسست لهذه الشخصية ومنحتها سماتها التي تتوضح جيلاً بعد جيل . وخلال نصف القرن الماضي مورسَت على هذا العقل الكوردي كافة أشكال العنف المادي والمعنوي ، على شكل ضربات سياسية واقتصادية واجتماعية ، وفي التفاصيل الدقيقة، وأقل ما يمكن أن يُقال في هذه المرحلة ، بأنها كانت جبروت الطغيان الذي يملك كافة أسباب القوة، من سلطة وثروة وسلاح ، بالضد من شعب مسالم أعزل يتقي مايتقي بصدر عار لايملك سواه.  
إذاً وبالعودة إلى المدّ الذي حققه لذاته ، استطاع العقل الكوردي خلق مسارات للانفلات من العقاب الذي كان يتربص به على الدوام ، فطوّع العلم والثقافة كخيارين هامين يمكن الارتكاز عليهما في مراحل لاحقة ، وكانت عملية صقل وتمدد في آن معاً ، خلقت مناخا متمرداً على أسباب القولبة ، فاكتسب ما اكتسب من قوة وعنفوان ، حتى بدا أنه يستهزئ بالجزء المروّض والمدجّن الذي أوردته في البداية ، و بذا فقد تمكن من وضع قواعد اللعبة المرئية وغير المرئية أحياناً ، وتمكن من الإحساس بلحظة الخطر ، ووفر تجنب الارتطام بهذه اللحظة التي ربما قد تكون قاتلة أحياناً .
أما فيما يخص الجزء ، وهو الجزء المهزوم والمنجرف لحظياً ، وبفعل كونه امتداد غير حقيقي للحالة القومية ذهنياً وواقعياً ، وتاريخياً أيضاً كما أسلفت ، ولكونه امتداد غير حقيقي للمدجِّن والمروِّض أيضاً ، إنما شكل من أشكال الامتداد الوهمي ، سينتهي إلى يباس ، كما ييبس الفرع عندما ييبس الأصل . وإذا كان استشعار الجزء بأهميته نابع من الخوف على مستقبله ، فإنه في الوقت ذاته شعور بالاطمئنان يرتكز على اعتقاده بأن العقل الجمعي حاضن له ، ومرد ذلك إلى أن الكل وعلى الدوام قادر على احتواء الجزء ، وشتان بين أمرين أحدهما احتضان وآخَرهما احتواء .
وتأسيساً على مرحلة العسف التي امتدت لنصف قرن مؤخراً ، وتداعياتها وحيثياتها ، تأكد للقاصي قبل الداني ، أن العقل الكوردي غير قابل للتطويق ، إذ يحدث أنه يتقمص حالة الكمون لبعض الوقت ، وأنه يهدأ قليلاً لينتفض عند أول انعطافة تاريخية ، وقد حدث هذا في مناسبات عديدة ، كما شهدنا في انتفاضة آذار المشرقة ، ومع إطلالة الثورة السورية كما لمسنا ، وهو الآن بصدد الانفلات من عقاله ليحرر ربيعاً كوردياً خالصاً ، تنتهي معه كافة الامتدادات المشوهة الناتجة عن تفاهمات وتقاسمات ، ليست جميعها بالأمر الهام والجوهري في مواجهة لحظة الحقيقة التاريخية .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…

صبحي دقوري

هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا…

ديار ملا أحمد

الكُرد في سوريا: سيرةُ ظلٍّ طويلٍ يبحث عن شكله في الضوء ..

لا تبدأ الحكاية الكردية في سوريا من الجغرافيا، بل من فجوةٍ صغيرة بين الاسم وصاحبه.

من تلك اللحظة التي ينطق فيها الإنسان ذاته، فلا تُصدّقه الأوراق، ومن ذلك الصمت الذي يتكوّن حين تعرف الأرض خطواتك، لكن الدولة لا تعترف بآثارها .. هكذا لم…

عبدالجابر حبيب

 

في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.

زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.

 

جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.

مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.

زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.

 

وفي طرف القرية، رجلٌ آخر…