الاستقلالية والإنسانية في العصر الحديث

صالح برو

لا يمكن أن تتحقق استقلاليتي إلا بإنسانيتي المطلقة التي تدفعني في خدمة الخير ورفع الظلم عن الغير وتسمو بي نحو الأفق وكل ما يدعوا إلى غير ذلك فهو كذب وتلفيق وتمزيق، كل الناس يموتون، ويتركون وراءهم حكايات، منهم من يترك خلفه حكاية جميلة، ومنه من يترك خلفه حكاية سيئة، ولكن حتى الحكايات السيئة يستفاد منها، لأنها قد تكون عبرة للغير، لكن الأسوأ من ذلك هو أن يموت الإنسان دون أن يترك وراءه بقايا حكاية قصيرة.
وهناك الكثيرين من يرحلون عن عالمنا هذا، دون أثر، ربما لأنهم كانو من ضحية كلمتين ( أنا مستقل) حيث ماتوا، ولم يفهموا معناها، ولا ما تعنيه الاستقلالية وجوهرها، فلو تمعنا في التاريخ جيداً، وأحصينا الشخصيات التي أثرت في التاريخ إيجاباً سواءً أكانوا رجال دين، علماء ،مخترعين، مبتكرين، سياسيين، أدباء، فنانين، موسيقيين،  أو رسامين نادوا بالإنسانية ودافعوا عن المظلومين، لرفع راية الحق، والعدل بين الناس لم يقولوا يوماً ما قاله هؤلاء “العميان”، فهل يمكن أن نكون شاهدين على جرائم ترتكب بحق الإنسانية ونقف مكتوفي الأيدي؟ 
هل يمكن أن نرى أموال جيراننا تسرق، وتنتهك الأعراض، ويظلم رفاقنا، وتشتم أمهاتنا، ويقتل آباؤنا، ويحرق أطفالنا، وتجلد نساؤنا، ويعتقل أبناؤنا أمام أعيننا ونقول” نحن لا علاقة لنا بما يحدث لأننا مستقلين “، فإذا كانت الاستقلالية بالشكل الموصوف دون تدخل أي فقط التفرج على الحدث، فإما من يعتبر نفسه من أتباع هذا الاتجاه أنه غير إنسان، ولا يعاني من عذاب الضمير، بمعنى أنه لا يعنيه الشرف والنخوة، والكرامة بشيء، وإما أنه يتمتع بهذه الصفات (جبان-وغد..)، وإما أنه غير موجود على الإطلاق، وليس هناك ثمة وصف أو تعبير آخر يمكن أن يسمى به، كما أنه ليس هناك تعبير أدق من هذا.

تعريف الاستقلالية
ولكي نعرف الاستقلالية من خلال كل الذين أثروا في التاريخ إيجاباً، فإنه لم تكن سوى ثورة من أجل الإنسانية ورفع الظلم عنها وتحقيق العدل والمساواة بين البشر، أما معناها فهو كل من يتحرر من قيود العبودية، ورفض العيش تحت سطوة الثقافة الزائفة المستوردة من القوى الطاغية ونكران الذات ومحبة الآخرين.
أما أهدافها فهي السعي دوماً وراء مكافحة الفساد، ومعاقبة الظالمين، وفضح المنافقين، والكاذبين، والتضحية دوماً من أجل الخير والسلام، تمسكاً بوصايا الله كما جاء في الكتب المقدسة.

الاستقلالية والعصر الحديث :
 يمكننا تقسيم الاستقلالية في العصر الحديث إلى فئتين : فئة نورانية مستبصرة تعمل مع السماء، وفئة ظلامية عمياء، تعمل لمصلحة الشيطان، فشتان ما بين الفئتين، فما أقل الفئة الأولى وما أكثر الفئة الثانية، والصراع لا يزال قائماً بين شريعة السماء، وشريعة الشيطان. وما ألله بغافل عن ذلك
لعل أبرز ما تتصف به الفئة الأولى أنها تملك لساناً يعمل على الدوام للنطق بالحق، ولها يدان تفلح وتناضل يومياً من أجل البناء ،وقدمان لا تسيران إلا في الطرق السليمة، ولها عينان ساهرتان لا ترفان لهما جفن
ومن أبرز ما تتصف به  الفئة الثانية وهي مقسمة إلى حزبين : إما أن يكون لها لسان لا ينطق إلا بالنميمة، والافتراء، وإما أن تكون مطبقة لا تريد الخروج عن مسار نومها العميق الدائم، ولها يدان أيضاً إما أن تعملا للقطع، وللضرب، والجلد، والتكسير، والخراب، وإما أن تكونا غير صالحتين لغيرهما، إلا للإستخدام الشخصي فقط، وتملك قدمين إما أن اعتادت أن تحمل على الأكتاف، أو أن تسير على الجثث، وإما أنها لا تحب السير إلا في الطرق الوعرة.

خلاصة
:
إنّ ما تسعى إليه جميع الأنظمة الطاغية كما ذكرت قبلاً هو تصنيع خرافات وأساطير مؤطرة أشبه بحكايات المراهقين، والعاهرات، وما تعانيه الأقلية من الشعب هو عدم تعلّم صَدق الحكايات، وصحة الروايات، فلو كان الناس قريبين من ذواتهم، بعيدين عن مغريات الحياة، وجشاعتها، لكانوا سيعون الحقيقة تماماً، وسرعان ما كانوا سيخرجون من غفلتهم وظلمتهم اللتين كانتا وسيلة وغاية لتضليلهم، وبهم كانت ستكمن أهمية الوجود الإنساني، لو فكر الإنسان في مدى أهميته لأحتقر نفسه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

“إلى من يحمل الوطن في القلب ولو أبعدته المسافات، أهديك مسافة أمان وفاء للذاكرة ومحبة للأرض التي تسكننا أينما كنا”
بهذه الكلمات أهدتني الشاعرة والفنانة التشكيلية سوسن ديكو – ابنة عفرين المقيمة في النمسا، والناشطة الكردية التي تحدثت باسم المرأة الكردية في الأمم المتحدة بجنيف – ديوانها الأول مسافة أمان 2022 .

والعنوان ليس…

إعداد: جوان سلو

“حين وصول طلائع القوات الإسلامية سنة 637م إلى نواحي منطقة عفرين الحالية، كانت الأسماء الجغرافية الكردية الحالية هي المتداولة حينها، مثل: سهل جومه، جبل هاوار، جبل ليلون، نهر عفرين، وحتى أسماء بعض القرى مثل قرية (شرقيا) التي عقد فيها اتفاق بين أسقف المدينة وقائد الفرقة العسكرية الإسلامية عياض بن غنم لدخول مدينة سيروس…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان، للوهلة الأُولَى، بعيدتين كُلَّ البُعد، تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي (…

ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)

تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى…