المنافي التي منعت من الصرف

محمد محمود بشار
 
Hetaw2006@yahoo.com

الزوايا الحادة كانت تملأ الأمكنة الصغيرة في كونه اللامنتمي ، والذي كان ينتمي إليه هو لوحده. كان يقطن في غرفة مهجورة تقع في إحدى تلك الزوايا.
كل شيء يدعو إلى القلق ، حتى قطرات الماء التي كانت تروي عطشه فيما مضى أصبحت هي أيضاً مصدراً من مصادر القلق. العبث المنتشر في جميع الأرجاء لم يكن يفسح المجال للوقت ليقدّم نفسه بصيغة المستقبل ، لم يكن له وجود – أقصد المستقبل – بل كان الوجود كله ملكاً لشاهي فقط.
شاهي الأسطورة التي لم يتعرف عليها التاريخ ، كان يكره التاريخ ويكره الماضي بجميع أشكاله وألوانه وصيغه اللامتناهية. لم يكن يفقه أي شيء في النحو والصرف ، كان يرتجف إلى درجة الذوبان ويلتصق بالمقعد وبالجدران المجاورة لمقعده عنندما كان المعلم يسأله في الإعراب.
كان يعلم شيءً واحداً فقط في قواعد العربية ، ألا وهو إن اسمه (شاهي) ممنوع من الصرف وسبب المنع هوالعجمة ، لقد كان اسمه اسماً أعجمياً.
كان والد شاهي يعلم بأنه ممنوع من السفر ، ولايحق له أن يملك أي شيء. حتى زوجته التي ماتت في صندوق الشاحنة لم تكن زوجته في السجلات القانونية والشرعية والإلهية.
دفن شاهي والدته في صندوق الشاحنة وغطاها بأغصان شجرة التوت التي كانت تسكن المنزل قبل أن يسكنوه ، ومن ثم أحرق الأغصان وأحرق الشاحنة ولكن والدته لم تحترق بل اندثرت في الحقول والسهول ، في الجبال والوديان والتصقت بذرات التراب الذي مُنِع على شاهي أن يدفن أمه فيه.
حياة المنافي لاتطاق ، يبقى الإنسان ولكن الإنسانية تفزع منه ، فتخبئ نفسها في زاوية صغيرة من زوايا قلوب الأطفال المنفرجة.
صرخ شاهي بكل ما أوتي من قوة ولكن الألم لم يكن ضيفاً بل كان ملتصقاً بكل الثواني المعدودة وغير المعدودة.
وقبل أن يختفي والد شاهي من الوجود ، قال لولده وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة 🙁 لاتنسى يا شاهي بأن الوطن يختبئ دائماً في زوايا المنافي…) قالها وأغمض عينيه المنهكتين.
تساقطت عدة دموع من عيني شاهي عندما سمع (عيشه شان)* وهي تغني 🙁 هي واخ دايه ). كانت هي الأخرى تعيش للألم وعندما ماتت لم يبك أحد على قبرها ، لأنها هي أيضاً كانت تحمل اسماً ممنوعاً من الصرف ، وكان سبب المنع هنا أيضاً هو العجمة.
 …………………………………….

* (عيشه شان) فنانة كردية أبدعت ألحاناً خالدة ، ولدت في مدينة دياربكر(آمد) في شمال كردستان عام 1938 وانتقلت إلى مثواها الأخير في عام 1996.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…