راج آل وسيرة الاعتقال

فرهاد ميرو

لم تكد الثورة السورية ترى النور وتصنع البسمة على الوجوه حتى كشف النظام الجائر في دمشق عن وحشيته المنقطعة النظير فاستبد بالوجوه الباسمة التواقة الى النور وادخلها في سراديب قهرها وظلمها

راج آل شاب كردي اتسم بالشجاعة والجرأة النادرتين وعرف عنه هاتين الخصلتين منذ انتفاضة الكرد السوريين في 2004 ، اذ كان من الشباب الاوائل الذين هبوا لنجدة قامشلي في دمشق ، فقام اهالي زورآفا الكردية في دمشق عن بكرة ابيهم غاضبين حانقين على سياسة التمييز العنصري التي كان يتبعها النظام السوري ضد الشعب الكردي ،
اعتقل حينها راج آل وابدى شجاعة فائقة بوجه سجانيه حيث ذكر عنه انه في كل وجبة التعذيب كان يدهش جميع زملاءه ، لم يكن يشتكي او يئن بقي صامدا الى ان تم الافراج عنهم بعد مضي اكثر من خمسة اشهر  وكان ممن بقوا في مؤخرة المفرجين عنهم .
بقي راج آل مطلوبا لدى الامن السوري السيئ الصيت طوال الوقت ولم يحذف اسمه من سجل المطلوبين او حسب التعبير الامني الخطيرين على الامن الدولة قط ، اذ كان يستدعى في كل مناسبة او دونها ويستجوب طويلا ويتلقى وجبات من التعذيب القاسي والوحشي والمشهود له عالميا  وبقي هذا التعامل  العنيف رفيقا لحياته ، ولما فجر الشعب السوري ثورته بعد مرور سنين طويلة على الاستبداد والاضطهاد وبعد طول الانتظار  توسّم راج آل خيرا وبشرى كما هم سائر السوريين  وشارك فيها كما هي عادته دون تلكأ او وهن ودونما ينتظر ممن يرشده لطريق الثورة السلمية  بل اتبع الفطرة التي نشأ عليها ، وكيف يتمكن من التواري او التخفي  وهو ابن المناضل الكردي المعروف تمر مصطفى ابو سالار والذي كان يعرفه الجميع سواء ممن في السلطة او ممن في المعارضة السورية  حيث كان له باع طويل في النضال السياسي المدني منذ ايام ما سمي بربيع دمشق .
لم يعتقل راج آل في خنادق القتال او في معسكرات التدريب او في اطار المجموعات الارهابية كما يبرر النظام الديكتاتوري اعتقال الناس الآمنين من بيوتهم ، ولكنه اعتقل وهو يدافع عن رجل مسن في حي زورآفا الدمشقي بالتعبير الكردي ( وادي المشاريع بالتعبير الرسمي )  اراد الامن ان يعتقل ذلك الرجل  لأنه  والد احد المطلوبين ويدعى خالد وهو صديق راج آل وجاره ، اذ حاول في صباح  اليوم الثالث من تشرين الاول  من عام 2012  ان يمنع من اعتقال جاره المسن ويقنع الامن  بالحيلولة دون ذلك ، الا انه لم يدرك انه كمن يمنع الذئب من اكل طريدته  ولم يدرك حينها انه ايضا مطلوب لنفس الجهة لنفس الدواعي ، وغدا راج آل هو الآخر طريدة سهلة بيدهم  ، بهذا النكران للذات  اضحى راج آل معتقلا سياسيا  لدى جلادي الشعب السوري ، واضحى اولاده يترقبون ايامهم بلياليها  من نوافذ دارهم الطيني  في ضيعة خراب رشك على سهول الدجلة في ديركا حمكو في اقصى الشمال الشرقي سوريا  مجيئ والدهم وينتظرون ذلك الحضن الدافئ لينعموا بقليل من الحنان الابوي ، ومازالت وجوههم البريئة تنتظر في آخر الليل قبلة دافئة من والدهم ، كما ما زالت زوجته تنتظره بفارغ الصبر ولتنعم هي الاخرى بكلمة حب منه تزين بها حياتها ، و مازال اخوته واخواته واهله ورفاقه ينتظرون تلك الطلة البهية الجذابة لينعموا نظرهم بها ويستأنسوا معه حكايات واحاديث العمل السياسي في دمشق وقامشلي وقصص التعذيب والاعتقال في اقبية النظام البعثي الحاكم المستبد .
لم يكن راج آل متطرفا او ارهابيا  ولكنه كان سياسيا و مناضلا عتيدا صلبا ، كان راج آل يعمل في الهيئة المنطقية لمنظمة دمشق للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا  ، دأب على العمل السياسي منذ نعومة اظفاره ولم يتوان عن العمل السياسي  على الرغم من السنوات العجاف التي مرت على سوريا من الناحية السياسية  وعلى الرغم من ضحالة الفعل السياسي في زمن الديكتاتوريات .
يبقى راج آل واحدا من آلاف الابطال الذين ننتظرهم على الأّحر من الجمر ، ولن يكون راج آل اخر المعتقلين مادام هناك نظام قمعي ديكتاتوري قائما على سدة الحكم في سوريا  لذا لن تكتمل فرحتنا بالافراج عن المعتقلين السياسيين دون اسقاط النظام الديكتاتوري ولن يبرأ جرحنا ما دام  البعث حاكما لسوريا ،  وحالما يحقق الشعب السوري بكافة مكوناته هدفه في بناء النظام الديمقراطي التعددي العلماني ويحقق الشعب الكردي في كردستان سوريا ما يصبو اليه من تحقيق العدالة واسترداد الحقوق المسلوبة وممارسة حقه في تقرير مصيره  وقتئذ سيكون عرسا  لكل السورين وسننسى الالام والجراح ونلتفت لبناء وطن لكل السوريين وعندئذ يكتمل الانتماء الوطني والذي مازال حتى هذه اللحظة بالاسم وحسب  .
 
11.01.2014  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…