الموت في نسخته خارج الوطن: إلى روح فناننا الكبير عادل حزني

إبراهيم اليوسف

تجيء أخبار موت الأحبة تترى، بلاتوقف، كما عقارب ساعة الزمن، حيث لازلت أعيش ذكرى رحيل صديقي المناضل أكرم كنعو الذي ودعناه في مثل هذا اليوم،  الذي كنت في غرة فجره، أستعيد قراءة ما كتبته في الرحيل الفاجع لصديقي في ذكراه الرابعة، كي تصلني وأنا في محطة غربتي الجرمانية، الجديدة، أنباء رحيل عدد من الأحبة: إلهام عدوان – رفيقة درب ممدوح عدوان- التي وصلتني منها رسالة عبر الفايبر، قبل أيام جد قليلة من رحيلها، وهي تصارع “المرض” لأهتف لها، فوراً، وتجيبني:

أنا إلهام؟، أسألها أنت في سوريا؟، فترد بصوت غارق في الانكسار: لا أنا في الإمارات، بل ليعلمني من يقول: رحل مروان صواف، الإعلامي الكبير، والشهم، وجاري في الشارقة الذي أنبت نفسي لأني رغم عدم تعدي المسافة بين بيتينا مجرد خطوات في حكم العد البسيط، بيد أني لم أزره، وظلت لقاءاتنا في المناسبات الثقافية، الرسمية، حيث الرباط السوري، يجعل كلاً منا يحس أنه إزاء ابن بيته، وأبويه، أنى التقى هذا الإعلامي الشهم، شأن كثيرين ممن يعيشون اللحظة السورية الحقيقية.
وإذا كنت سأفرح، وأنا أتلقى هذا الصباح هاتفاً من مروان، بعد أن وصله ألمي في توتره العالي، من أجله، ليتملكني شعور جد غريب، وكأن لهفتي عليه -وأنا واحد ممن أحبوا إنسانيته ومواقفه التي يدفع ثمنها من غربته بعد أن ظل طويلاً نجم الإعلام في سورياه-  قد أعادته إلينا، فإن الخبر الواخز، حتى أعماق الروح،  يصفع الناظر من بين صفحات التواصل الاجتماعي:
رحل عادل حزني…!
 أقول في نفسي: لا، لا، الأمر مجرد سهو فيسبوكي، معللاً النفس بأن خطأ ما قد تم، وهوماقلناه عند رحيل فناننا جمال سعدون – وها نحن نخسر جمالنا وعادلنا معاً- غيرأننا اضطررنا على تصديق رحيله، مكرهين، بعد أن انتظرنا من يكذب الخبر، لنكتشف من مقربيه أن رحيله حقيقة، وأن أحلامنا في بقائه بيننا -خارج صوته وإبداعه ومواقفه، مجرد وهم. أركض إلى “بروفايلات” عدد ممن هم مقربون من عادل ، ومنهم فيندار، نجله ، الثاني، في عنقود الأسرة، والذي كان من عداد طلابي، فيجيبني: ” استاذي ولا انا أريد أن أصدق بس شو نساوي طلع صحيح وتركنا بكير”.
أف، الخبر صحيح، إذن، وإذاً، و عادل الذي رفض الهجرة، خارج قامشلو – مسقط رأسه- مع أهله، هناك، وسافر للإقليم  ليقيم حفلاً يقدم ريعه للاجئين الكرد، في هذا العنوان، بعد أن وجهت له دعوة من التلفزيون، لإجراء لقاء، وليسجل ألبومه الغنائي الجديد، حيث تتقاذف أهله المنافي، الشرسة، التي عكست صورنا، في مرايا الآخرين، كما هي، خارج، خدر الوهم، بعد أن ضاق بنا الوطن، وهو مكبل بالغرباء، والاستبداد، المتناقض، المتناغم، بينما أهله، يعيشون تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث النظام لمايزل موجوداً، بعد أن رحنا نردد ببغاوياً “مناطقنا محررة”، ليزيد على ذلك استمرار طرف واحد، بتصدر المشهد، مستفيداً من ظروف متناقضة، وسط تخاذل الأطراف الأخرى التي أساءت التصرف، إلى أن وصل السكين العظم، كي تغيب عن المشهد -كلياً- بدعوى عدم الانجرار إلى فتنة “أخوية”، قد بدأت، ممارسة، وتنظيراً، للأسف، وتم دفع ما هو غال، في معتركها الجلي، المخفي، حتى الآن، بينما نحن سائرون -للأسف- إلى ضفاف المجهول، المعلوم، غير مستفيدين من تجارب التاريخ، ومعطيات الواقع، مدفوعين بحمى الفيروس الذي كان وراء شقاقنا، وشقائنا الكردي، بعد أن تفاقم في مختبر اللحظة.
مناطقنا الكردية الآمنة، تركها نصف مليون كردي، قبل أن يندحر الدواعش، وكل أشباههم، المعادية لسوريا، عامة، وللكرد، خاصة، عائدين إلى حواضنهم المتاخمة، بانتظار إيماءات، وإملاءات، مبرمجي حركاتهم، أسيرة “نوابض” خالقيهم، من دوائر يدخل في عدادها: النظام، وبعض أصدقاء الثورة السورية، بل ومن قدموا أنفسهم -إلى حين- على أنهم واجهة “الثورة”، حيث “لاتعميم هنا” بل المقام، هو “التخصيص”، و”التنصيص”. وإذا كانت بعض المدن السورية، قد دمرت -بأكملها- فإن القاسم المشترك بينها، ومناطقنا، هو: التهجير، إذ لاقيمة للمكان، من دون كائنه، بل إن قوى الشر التي شتت المهاجرين، باتت تنقل حجر شطرنجها، للهيمنة على مكانه، كترجمة لما خطط له.
هذا الألم العالي، أحسّ به عادل حزني، واكتوى على ألسنة ألهبته، وهو ما دفع به ليقدم أغلى ما يمكن تقديمه من قبل فنان كبير، ابن مدرسة والده التي سعت إلى حماية التراث الفني الفنائي الموسيقي الكردي، ورفده بالإبداع، كأقصى طرفي المعادلة لدى أي فنان، ومثقف كردي، ليتواصل عطاء هذه المدرسة، على امتداد عقود، يواصل فيهما الأب، والابن، عطاءهما الدؤوب، وينالا احترام شعبهما، وها لفتة عادل الأخيرة إلى أهله، اللاجئين، تأتي كآخر ترجمة حب لشعبه، بيد أن النوبة القلبية عاجلته، بغدرها، ومكرها، فلم ينجزعادل ما رامه، سوى مقابلة تلفزيونية أخيرة…..!!!.
الكتابة عن عادل حزني، الفنان، ونجل فنان الكرد الكبير حزني سليم لا يمكن أن تستوفى بمقال عابر، لأن تجربته الحياتية والفنية تحتاج إلى أكثر من ذلك، لأنه عاش هم شعبه، ورافع عنه بأغنيته، وتم الضغط عليه، لمواقفه الوطنية،  بل تم توقيفه أكثر من مرة، من قبل أجهزة النظام السوري، من أجل إبداعه، وموقفه، بعد أن كرس حياته كلها، للفن، والأغنية، لتكون عالمه، وشارته، بل وسلاحه، في معركة البقاء، في وجه المحو، كما حال أبيه ابن ثنائية “هرم شرو/ تل شعير شيخان”، منذ أن بدأت رحلة أوتار” الطنبورة” و”البزق”، والدراسة، إلى أن نال المعهد المتوسط الهندسي، وعمل في “رودكو” حوالي ربع قرن، قبل أن يتفرغ نهائياً للفن، ويترك وراءه كل هذا الأثر الكبير.
لكم أتمنى، أن أسمع الآن، صوت أبي فاروج يقول لي: الخبر كاذب، وها أنا حي بينكم “، الصوت الذي سمعته هاتفياً وأنا أعزيه بأبيه عام 2008، وعن قرب في جلسة عابرة، وهو يزور الإمارات، يحيي أحد نوروزاتها، كما تم هذا الصباح، من قبل مروان صواف، بيد أن ترتيبات نقل جثمانه الطاهر، إلى مسقط الحلم، والأغنية، والرأس، تؤكد لي، مرة أخرى، أن فناننا الكبير راحل حقاً، وأن تراب ” تل شعير شيخان، عاصمة جدوده، سيحتضن جثمانه الطاهر، اليوم ،ويشيع إلى مثواه الأخير، إلى جانب مرقد أبيه، بينما لاتزال رائحة حلم الحرية تطفح منه، بل لماتزل صورة وطن الغد، عالقة بجفونه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…