الحضارة والانسان

دهام حسن

إن الحضارة كظاهرة تاريخية في علم الاجتماع، وكمفهوم نظري، من أكثر المفاهيم التي يثار حولها الجدل بشأن تعريفها، وبيان معناها، وتحديد مجال استعمالها ومداها، نظرا لتعدد الآراء، واختلاف وجهات النظر في توضيح هـذا المصطلح، وأيضا، بسبب توسع مجال استعماله، وتعدد وظائفه.
إن الحضارة تعني بأحد معانيها درجة من عملية التطور الاجتماعي، التي حلت محل البربرية، يقول إنجليز:” إن الوحشية هي فترة امتلاك المنتجات الجاهزة للطبيعة على الغالب …
البربرية هي فترة إدخال الرعي والزراعة فترة امتلاك طرق زيادة وإنتاج المنتجات بواسطة النشاط البشري؛ والحضارة هي فترة امتلاك التصنيع اللاحق لمنتجات الطبيعة.” إن هذا المقال لإنجليز، يفيـدنا من أن الحضارة ابتدأت بعد انتقال الإنسان من حياة البربرية إلى حالة من الإقامة الدائمة والاستقرار، حالة من الأنس والتوافق مع بني جنسه، حالة من السلم والأخلاقية، بدلا من الفظاظة والتقوقع و الأنانية. إن تلاقي الجماعات البشرية بدافع الحاجة، سواء لرد الأخطار أو تأمين مستلزمات البقاء والتواصل، واستنباط ما يمكن استنباطه من أدوات وسواها. إن هذا التلاقي والنشـاط والتفاعل هو اللبنة الأولى في صرح الحضارة البشرية. لقد كان الإنسان في بداياته ضعيفا عاجز أمام جبرية الطبيعة الجغرافية، لكنه باستئناسه لبني جنسه وتفاعله معه، وتفاعلهم مع الطبيعة، تجاوز عقدة ضعفه، وأصبح ينازل الطبيعة في صراع مستميت؛ استطاع بداية أن يتكيف مع عوامل الطبيعة ثم ما لبث أن صار قادرا أن يسخرها لمصلحته، وما تاريخ الحضارة في أحد أوجهه إلا حكاية صراع الإنسان مع قوى الطبيعة..
من المعلوم أن الحضارة لا تنشأ ولا تتأسس إلا بتضافر جهود عدد كبير من الأفراد والعديد من الجماعات البشرية كما أن نشأة الحضارة تتأثر فضلا عن التنظيمات البشرية، تتأثر- أيضا – بهذا القدر أو ذاك بالعوامل المناخية فقد تساهم الشروط المناخية المواتية في نمو وتطور الحضارة بخلاف العوامل المناخية القاسية التي تؤثر سـلبا في نموها وتأخرها .
الحضارة كما هو معلوم ليست بكائن بشري عاقل، فهي لا تتكلم ولا تأكل ولا تزرع ولا تبني ولا تحارب ..إلخ
مثل هذه الأعمال تناط بالإنسان وبالإنسان وحده، وبهذا فالطبيعة والإنسان طرفا المعادلة في الحضارة، همـا توأمان مرتبطان يشترط أحد هما الآخر.. والحضارة بهذا المعنى تترجم بعلاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان؛ لا انفصام بين الحضارة والإنسان، فالحضارة تشترط في وجودها بنشاط الإنسان الواعي وإبداعاته والإنسان هنا لا يعد عنصرا كالا عاجزا سلبيا، بل يعد ذاتـا مبدعة خالقة للتغيير، وهو مساهم نشيط في صنع الحضارة؛ والحضارة هي بالأساس مرادفة للتطور الاجتماعي.
تظهر الحضارة عادة في حقبة زمنية معينة تكون مواكبة لتشكيلة اجتماعية ما، ومشروطة بمميزات ثقافية وسمات وخصائص عـقائـدية، ومنتجة حسب الرؤية الفكرية السائدة، لحالات ونظرات متسقة، لا سيم في القيم الروحية،
مثل السلوك والأخلاق والنواحي الجمالية. إن كل حضارة تغتني بمكونات الحضارات الأخرى، في صورة مـن التأثر والتأثير المتبادلين؛ فقد يستغني أناس هذه الحضارة من بعض عناصر حضارتهم لعدم ملاءمتها وتماشيها مع البيئة الحضارية الجديدة، والاستعاضة عنها بعناصر جديدة؛ وقد لا تكون العناصر الجديدة مستنبطة في حدود تلك المساحة الحضارية بل من حضارة أخرى؛ فأفول أية حضارة، لابد أن كثيرا من قيمها وإبداعاتها، ترثها حضارة أخرى واعدة، أي أن الحضارة أخذ وعطاء، وقد تتحقق كثير من القيم والمبادئ في الحضارة الواعــدة الجديدة تفوق كثيرا عن قيم ومبادئ الحضارة الآفلة ..
إن الحضارة لا تتم وفق السير بخط مستقيم، فهي تبنى وتؤسس في سياق استغلال طبقة لطبقة أخرى، لأن “الجشع الدنيء “لقوى طبقية هو الدافع والمحرك لنشأة وتطور الحضارة حيث ” تقدم لطبقة كل الحقوق تقريبا وتحمل الطبقة الأخرى كافة الواجبات “كما يقول إنجليز وتلك ضريبة التطور التاريخي والحضاري حيث أن” الإيجابي بمعنى التطور التاريخي لا يتوازى مع الإيجابي أخلاقيا ” بتعبير الدكتور عبد الرزاق عيد . إننا بلا شك سوف نتعاطف أخلاقيا مع العمالة المصرية المستعبدة والمسخرة، الذين شادوا حضارة وادي النيل وإليهم يعود الفضل في بناء الأهرامات المصرية، وهم كانوا في الوقت نفسه ضحايا هذه الحضارة حيث كانوا يموتون بأعداد يوميا أثناء بناء الأهرامات، لتخلد ذكرى الفراعنة كصروح وشواهد. وتلك -كما أسلفنا- ضريبة التطور التاريخي. فإنجليز يقول: لولا عبودية العصر القديم لما كانت هناك اشتراكية؛ أي أن التطور البشـري لا يتم إلا عبر صراع طبقي ..
من المؤرخين من تكلم عن الدورة الكاملة للحضارة بحيث تبلغ الحضارة مداها وتنهي دورتها فتسود المساواة بين أفراد المجتمع ويمتثل الجميع أمام القانون وعندما تكتمل الحضارة ، تبدأ بالتراجع والانتكاسة ربما إلى البربرية من
جديد، لتعاود الحضارة دورتها وتبدأ بحلقة البناء من جديد. ومن المؤرخين من ماثل دور الحضارة بحياة الكائن العضوي: ولادة، طفولة، شباب، نضوج، شيخوخة .. أما توينبي المؤرخ الإنكليزي المعروف فيرجع الحضارة إلى استجابات بعض الجماعات البشرية لروح التحدي؛ فعندما تكون هناك عوامل مناخية قاسية فبعض المجموعات البشرية تستجيب للواقع استجابة سلبية أي تخضع للواقع، ومنها من تتكيف مع واقع جديد بنفس الروح دون تغيير يذكر من طبيعة حياتها، لتعاود حياتها الطبيعية التي اعتادت عليها حياة البداوة .
ومن الشعوب من استجابت لروح التحدي فانتقلت إلى ودبان ومستنقعات فحولتها إلى أراض خصبة ولم تدخر جهدا في البذل والنشاط والتفاعل مع الواقع الجديد، لتبدأ معه في الأعمار والبناء والتحسين والتغيير والتطوير .. يرى توينبي أيضا أن الحضارة لا يتوقف بناؤها على عرق بشري واحد، فالحضارة تساهم في بنائها أجناس بشرية مختلفة، وجراء تفاعل عوامل عديدة كما أسلفنا، طبيعية وبشرية وسياسية .. والحضارة لا وطن لها فقد ظهرت في مختلف القارات، وفي أماكن عديدة شملت أسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا. إن أشهر هذه الحضارات هي حضارة الصين، وحضارة وادي النيل، وحضارة بلاد الرافدين، وحضارة الإغريق، وحضارة الرومان، وحضارة الغرب، والحضارة العربية الإسلامية.
وللحضارات أهمية كبرى في حياة البشرية؛ فقد أشاد لينين بمساهمة حضارة الغرب في تطوير القوى المنتجة حيث قال: ” إن الحضارة الرأسمالية أوجدت الإنتاج الضخم والمعامل، والطرق الحديدية، والبريد والهواتف وغيرها ..
لاشك أن البشرية تتطلع وتنشد حضارة هي أكثر عدالة وتطورا وإنسانية؛ تتحقق فيها سعادة البشرية قاطبة، وهذا ما يراه إنجليز في حضارة المستقبل التي سوف تتميز:” بالديمقراطية في الإدارة، والإخاء في المجتمع، والمساواة في الحقوق، والتعليم العام “وهـذا ما كان يحلم به الاشتراكيون؛ ولا بـد لهذا الحلم من أن يستحيل إلى حقيقة وواقع ولو بعـد حين؛ لأن الحضارة المنشودة ، تستوجبها تطلعات الإنسان، ويقتضيها العقل، وتحتمها الأخلاق..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…