«ذئاب الضوء»

أفين إبراهيم

أهديت عينيّ للسماء و قلبي الصغير للعصافير ..
لكنه للأسف كان أعمى ..
أعمى هذا الليل لا يرى…
لست حزينة ..
أنا فقط أفكر في المطر..
المطر الذي لا يحتاج لوسيط ..
في النهر الذي أغرق حوافر أحصنتي الكثيرة …
فك شفاه حرائقي المربوطة على ظهر القبل وخطف ملائكة فخذي الرقيق..
بقلب الأشجار حين كان يدق المسامير في ظهري العاري بعد منتصف الليل ..
بوجه الطين على حافة القصائد و بصراخ أطفالي خلف الشبابيك..
بمفاتيح البيانو كيف سقط منها كل هذا اللون الأبيض وتحول لكفن جميل يغطي جثة أبي الغريبة تحت ضلع الله..
كيف نبتت للفراشات أنياب طويلة كالحرب و لماذا على النور أن يسكت لتستمر الحياة ..
أفكر بضحكة السكاكين التي كانت تخترق خاصرتي وتسرق خواتمي و أثوابي الجميلة لتلبسها للشياطين و أنا نائمة ..
نائمة أحلم بجيوب الأعياد وأحذية كثيرة لطفلة روحك الحافية ..
أحلم بوطن صغير يضم جوع حبي المتوارث و أراجيح الملائكة التي ستمشي إليّ..
أحلم بخرائط الكنوز على منقار حمامة حزينة ربطت سعادة الأرض بقدمها وأطلقتها للريح…
أفكر في جرة الماء كيف غسلت الريش ونسيت عطش البئر..
كيف دخلت حلم الحلم فقط لأبكي الميت فيك قبل الحي ..
كيف صنعت من شعري جسر يربط وحوش الأرض بملح السماء…
في طيش الحكمة كيف خذل خلاخيل الظل وتركت جذوع القمر حليبا تشربه شفاه الثعالب وتغني للأرض ..
أفكر في المرأة التي أحبتك ..
المرأة التي تحبك و الميتة التي ستحبك بعد قليل..
في عيون الأحصنة التي رميتها لحضنك المغلق ككرة النار كيف ارتطمت بجدران الذاكرة وعادت إليَ محترقة…
في فيض الشقاء المر حين حولته لقبلة وشمتها على عنقها القصير..
في أصابعي التي أمسكت بها خصرها الحزين وصوتي المشنوق كيف لففته حول صدرها الجميل ..
أفكر في هذا الوحش الكبير ..
الوحش الجميل الذي كان يبكي وهو يفك أزرار مطرها ..
في جراد الليل الذي قضم الظلام بينكما لتتحول روحي لطعنة ضوء على خذ المعابد البعيدة….
في مواكب الشموس كيف عجنت روحكما ..
كيف كنت أنا ..
أنا الرائعة قطرة الثلج الذائبة ..
قطرة الثلج التي سقطت فوق قلوبكم الآثمة لتفوح رائحة الطين من فم الله المسكين..
أفكر في الصليب الذي أرتدى قلب القيامة ومشى على رموش النار وكفر برب الحريق..
في حنين السجن الذي حبست به النوارس وحبال المشانق التي ستعود بعنقك المكسور لجدران ألم يرسم اللعنة كما تريد.. 
في إيماءة الورود التي كانت تشبهني ودخان الصور التي دجنتها بموتك فحملت لك ضحكة الأرض ونسيت نفسي الغريق..
في الطريق والصلصال الذي أفرغني من جسدي الذي ذاب في جثتك وترك الله عارياً هناك..
أفكر في فهرس الضحكات المقتولة و أساطير الشامات المدفونة كيف احتملت كل تأتأة هذا الطين وظنت أنه سجود الماء ..
كيف تقطعت بكل هذا الجمال تاركة يد الله يتيمة بجانب الياسمين ممدودة نحو الجحيم….
كيف سلمت روحي لعشر أصابع اعتقدت أنها الضوء ..
ملكتها مفاتيح الله لتكتب بها وعندما أرادت أن ترقص رمت وجه الآلهة وأمسكت التراب .
أفكر بالموت هذا الطائر الجميل ..
هذا الطائر الذي يلمع كالبرق ..
كيف بكى في حضوره الجميع هذا الصباح ..
وحده ..
وحدة الموت لم يبكيك …
كيف أتحول بعد منتصف الحب لذئبة..
ذئبة تأكل عيون القمر ..
ذئبة لئيمة تخاف الأشجار والعصافير..
تصنع من الضوء مقبرة..
ذئبة جريحة ..
جريحة جدا تستيقظ في الخامسة صباحا ..
تنبش قلوب نساء الأرض ورجالها…
تنبش قلب الله بحثا عنها وعنك. .
في الآلهة الجديدة ..
الآلهة التي ستنهض يوما لتعلم الأشجار معنى الماء ..
تأخذ بيد الحب و ترتب مرايا روحك المكسورة هناك ..
في الآلهة التي تحبني ..
تحبني جدا ولن تموت ..
لن تحترق مرتين.
…………………
أفين إبراهيم
27/8/2015

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صالح أحمد بربهاري *

 

في يوم خريفي هادىء وبينما كنت غارقاً في العمل داخل حقلي المتواضع في القرية رن جرس هاتفي وأنتشلني من دوامة الغرق تلك لأجلس وأستند الى أحد جذوع أشجار العنب والعناقيد تتدلى من فوقي ولالتقط أنفاسي ولأرد أيظاً على المكالمة التي جاءتني وما أن خرجت الهاتف من جيبي حتى وقع بصري على…

إبراهيم محمود

استهلال

دنيز وزياد ليسا خلاصة الكردية

ليسا أول الكردية

ليسا آخر الكردية

إنما تأكيد ديمومة الاسم بمعناه المشترك

في أبجدية معنى أن تكون كردياً

هما لم يمضيا إلى حتفهما

إنما إلى زحفهما

إلى مضاء عزيزتهما

لم يقولا: وداعاً يا حياة

إنما سلام عليك يا حياة

لم يتفقدا اسميهما الينبوعيين

إنما أضافا إلى نهرهما الكردي زخم خصوبة

وفي الذي أسمّيه باسمهما

باسم كل كردي يصعد…

سيماف خالد محمد

منذ أن استُشهدت فتاتنا الكردية، فتاة الشمس والنار، لم يهدأ فكري، وأنا أعود مراراً إلى تلك اللحظات الأخيرة التي عاشتها وحدها، لحظاتٍ يفقد فيها الزمن معناه، ويغدو القرار حدّاً فاصلاً بين الكرامة والموت.

أتخيّل قلبها الجميل، كم كان ممتلئاً بحبّ الوطن، حبّاً لم يعد يحتمل البقاء حبيس الصدر، فانسكب دماً ليَروي…

عبد الستار نورعلي

ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي

القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ

 

مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ

يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ

 

وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ

إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ

* *

في زاويةٍ قصيَّةٍ

منَ الوادي المُحلَّى..

بالنخلِ

والنهرينِ

أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)

صرختَه الأولى….

ثمَّ هَوِىَ،

وهو في ربيعِ خُطاهُ!

لكنَّهُ لم ينتهِ،

فلم يلمْهُ عاذلٌ،

ولا نازلٌ..

مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ

باللسانِ

والعينِ المُصيبةِ

قلبَ الولدِ الطّريّ.

 

الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ

في…