ملامح ميثولوجية وجهة نظر في الذهنية التراثية الأسطورية الكوردية – القسم الثالث

وليد حاج عبدالقادر / دبي 
وأمام عجزه ومستشاريه في فك اللغز او ايجاد الجواب الصحيح وكعادته عاد الملك مهموما ومغموما الى جناحه العائلي وهو يدرك تماما ، لابل يتلمس حقيقة مطامع غريمه في مملكته ، وكعادتها هرعت ابنته اليه ولكنه لم يبال بها ، ودخل غرفته ومن وراءه ابنته التي أصرت عليه ان يفاتحها بأسباب غمه ، وأمام إصرارها ، روى لها قصته مع الوفد الجديد لغريمه الملك ولينتقل الغم الى كيان الأميرة وبان الغضب على محياها وطغى عليها التوتر والقلق الشديد فطار النوم من عينيها فأخذت تروح وتجيء في الغرفة وخرجت الى الفسحة المطلة على زنزانة كه جل الذي لم يفته مطلقا مدى القلق والوجوم المخيمتان على محياها .. ناداها وهو يقول : ما الذي يجري .. ماذا دهاك أميرتي ؟! … ردت عليه بعصبية ونزق وقالت : انقلع من هنا لا ينقصني غيرك ؟! ..
أجابها : افتحي قلبك عزيزتي فقد يكون ترياق همك عندي !! .. وكمن انتبهت او تذكرت لتوها امرا !! .. قالت له : صحيح .. صحيح .. أنه نفس الملك وقد بعث وفدا جديدا مع شرط جديد .. سألها : وماهو شرطه الجديد ؟! إناءان لا عاج هما ولا ذهب ، مرجان ، مرمر وقد زينا بأرقى وأغلى واثمن الأحجار الكريمة وقد طلب من والدي أن يخمن ماهو الأغلى من هذين الإنائين !! ووالدي بكل مستشاريه عاجزون على ايجاد الجواب !! .. قهقه كه جل وقال : جوابه أسهل من شربة ماء !! .. سألته : كه جل !! وماهو الجواب ؟! لا لا خاتون ؟! لن أخبرك قبل أن تكشفي لي عن جسدك الى مافوق صرتك ؟! .. تافه ، حقير ، سافل .. ردت عليه الأميرة ولكنه أدار لها ظهره وقال : اذا رغبت في معرفة الجواب ماعليك سوى مناداتي !! .. تطلعت حواليها وقالت له : تعال هه !! ورفعت ثوبها تكشف له عن جسدها الى مستوى صرتها فقال لها : قولي لوالدك أن يخبر وفد الملك وبالحرف / tavek ji tavèn buharè hèjaye zîv û zèrè xurasanè / مزنة من مزنات الربيع تضاهي ذهب وفضة خراسان … هرعت الأميرة وهي تطير من الفرح الى غرفة والدها الملك وهي تصرخ لقد عرفت الجواب .. وجدت الجواب .. أسرع الملك الى ابنته وقد تذكر لتوه بأنها هي من أخبرته بحل اللغز الأول !! .. ماهو الجواب يا ابنتي .. قالت له بالحرف ما التقطته من فم كه جل .. اسرع الملك الى ديوانه ونادى على مستشاريه وطلب وفد الملك الى مجلسه .. تناول الإناءين وتطلع فيهما مليا وهو يتصنع تفحص احجارها الكريمة ومن ثم تطلع في رئيس الوفد وقال له / قل لملكك بعد أن تبلغه سلامي يأنه : مزنة من مزنات الربيع تضاهي ذهب وفضة خراسان / … عاد الوفد الى الملك ومظاهر الخيبة بادية على وجوههم وبراعة الملك ومن حوله في فك وحل الغاز الملك والذي يزداد طمعه يوما بعد آخر بمملكة صاحبه . وهنا وقبل سرد مجريات الأحداث ؟! أفلا يحق لنا التساؤل ولو ببداهة وأمام هذا الإنجلاء او الإنكشاف المعرفي / الحكيمي وان كانت بعض من تجليات القداسة في زمن كه جل / مثلا / والكشف عن الروع امام المقدس على حد قول مرسيا الياد في كتابه / المقدس والدنيوي – رمزية الطقس والأسطورة – / .. جميع هذه الخبرات .. لأن ما يستثيرها هو تجلي جانب من القدرة الإلهية والإلهي يتميز بأنه مختلف جذريا وكليا ..، / ص ١٢ / وهنا امام اللغز / التجلي الثاني وبخاصية طقسية مترابطة بنمطيات اجتماعية / اقتصادية وتمازج مفهومي الإنائين الثمينين وتفوق او اهمية المطر / الماء بغلاوته هي مؤشر هام ودائما حسب مرسيا إلياد / يمكننا القول أن تاريخ الأديان من اكثرها بدائية الى اكثرها ارتقاء عبارة عن تراكم من الظهورات الٱلهية ، من تجليات الحقائق القدسية ، ليس ثمة انقطاع لإستمرارية الظهورات الإلهية بدءا من أكثرها ابتدائية كتجلي القدسي في شيء ما حجر ما ، وانتهاءا بالتجلي الأعلى … / ص١٣ .. ولعله ما يستوجب ذكره هنا أن الرمزيات وبالتالي تطويب العلاقة الجدلية ان في عبادة الأرض / الأم والخصوبة البشرية والزراعية وقدسية المرأة وكمدخل او تفسير تطبيقي للقيمة المعيارية الأثمن لمزنة الربيع على كل المعادن الثمينة الكمالية فهي ايحاء / تجل واضح لأنموذج مجتمع وقد اكتشف الزراعة وامتهنها ، وفي العودة الى مطامع الملك ومحاولاته اليائسة لضم المملكة الأخرى وهو يفكر مليا مع طاقم حكمائه ومستشاريه عن وسيلة ، حيلة ، وهنا خطرت له فكرة !! نعم هي ، هي والدته الملكة الأم والتي منذ وفاة ابيه لا حياة لها و لهم ، المحيط جميعا ينعتونها بالجنون تحطم الأواني ، تخزق ثيابها من شهور لم تتحمم وما مشطت شعرها رائحتها تملئ كامل القصر ولم يبق حكيم الا واستشاره الملك حاول أن يعاينها ولكن زعيقها وهياجها ورائحتها النتنة تنفره فيعتذر للملك بصعوبة معالجتها !! .. ضرب الملك كفا بكف وتأوه متحسرا كيف لم يتذكر هذا الأمر ؟! … صاح في مستشاريه وقال : .. لقد وجدتها !! مادام غريمي لديه هذه الفطنة فلابد من أنه يمتلك حلا او علاجا لوالدتي الملكة ، فهو إن شافاها يكون قد أسدى لي خدمة العمر وإن عجز عن ذلك تنزع منه الملكية وتضم مملكته الى مملكتي .. قالوا له : والله هو نعم الحل مولانا … و … كان أن أرسل الى الملك بوفد جديد وطلب آخر مستجد … وهنا ومن جديد لا بد من ملاحظة أمر مهم وبالتتبع وسياق تطور الوعي الإنساني وبالتالي التحولات التي واكبت تطور وعيه وبالترافق مع نمط حياته المعيشية وما أضفت عليها المكتشفات الجديدة التي صقلها بتراكم خبراته حيث الحالة الأولى يستدل منها مرحلة تدجين الحيوان والتي ابتدأت بداهة بتدجين وتأهيل حيوانات الجر والنقل والتي بفضلها استسهل عملية التنقل كما والسعي الى الإستقرار والتلازم الحقيقي بين نمط المعيشة وطبيعة الإنتاج والتي طغى عليها تماما نمطي الزراعة والرعي والمتلازمتين حتميا بالطقس والمناخ ومن ثم متلازمة اكتشاف المعدن و .. ازدهار الوضع الإقتصادي ووجود الموفور من الحاجة وبالتالي ظهور نتاجات جديدة وان طغت عليها الترف او الترفيه و … ارتباط كل ذلك لابل فك طلاسمها بارتباطها الرمزي وبطابعه الجنس / طقسي وجسد المرأة كما سنرى لاحقا … ويدر بنا هنا وملاحظة امر مهم ايضا حيث يختلف الرواة في النسق التسلسلي فمنهم من يسبق الثالث على الثاني ، ولكنني أميل في سياق تدرج الوعي الميثولوجي على السردية التي تواترت في هذا النص كنوع من التوافق وصيرورة الوعي كما النمط الإجتماعي / الإقتصادي والتطور البشري . 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…