ملحمة حمي موسكي وكرعي موسكي

علي شيخو برازي
 
ملحمة أولاد موسكي : حمي موسكي وكرعي موسكي , كانت ذات تأثير كبير على الشعب الكوردي عامة , رغم أن الحدث كان خاصة بمنطقة سروج  وما حولها فقط , وانتشرت بسرعة فائقة إلى كل أنحاء كوردستان, وتناولها الكثير من المغنين الكورد , منهم : كاويس آغا – سلو كورو – محمود حسن كروري –  شرو برو , وغيرهم الكثير من المغنين والرواة , حتى في جنوب كوردستان تغنى هذه الملحمة, وباللهجة الصورانية أيضا , وقد حفظت الذاكرة الشعبية الكثير من جوانب هذه الملحمة , من خلال القصص والأغاني والأمثال , حيث تقول أحدى الروايات  : أن عدد فرسان البرازية آن ذاك كان 92 فارساً , من أشد فرسان الأكراد في كوردستان .
وهي من الملاحم التاريخية الهامة من حيث الحدث والمطلب , وكانت على شكل انتفاضة شعبية على الدولة العثمانية بقيادة الأخوين حمي وكرعي , لأن البرازية امتنعوا عن تنفيذ أوامر الباب العالي, من الناحية العسكرية والمالية .
عاصر هذه الملحمة كلّ من السلطان العثماني محمود الثاني و ابنه السلطان عبد المجيد الأول أشارت إليها الكثير من الوثائق العثمانية آن ذاك , , وتضمنت الملحمة الكثير من القضايا : القومية -الاجتماعية- العسكرية – والسياسية أيضا , منها : الدفاع عن الوحدة الجغرافية للاتحاد البرازي – تحالفهم مع عشائر ولاية الرقة والملليين ( Millan) خاصة – تحالفهم مع إبراهيم باشا بن محمد علي والي مصر – عدم دفع الضريبة للباب العالي – الامتناع عن إرسال رجال البرازية إلى التجنيد , وأمور أخرى . 
حمي موسكي وكرعي موسكي , كانا من أشهر فرسان الكورد في النصف الأول من القرن التاسع عشر ,  وينتمون إلى عشيرة كيتكان (Kêtkan) التي هي أحدى العشائر الكبيرة في الاتحاد البرازي  في سهل سروج , والمشهورة بكثرة فرسانها .
 وقد كان لأولاد موسكي: حمي  وكرعي و عتي ,  صيتا كبيرا في الدولة العثمانية , وقادوا المقاومة البرازية ضد العثمانيين من بداية القرن التاسع عشر , حيث حاولت الدولة العثمانية أكثر من مرّة , على بسط سيطرتها على منطقة البرازية , وكسر شوكتهم في ( سنجق أورفا) وسهل سروج وبيراجيك , والقضاء على تمردهم وإخضاعهم إلى أوامر السلطنة دون جدوى , وكانوا البرازية بقيادة الأخوين حمي وكرعي , قد امتنعوا عن دفع الضرائب المترتبة على العشائر البرازية , وشكلت الكيتكان آن ذاك حلفا خاصا  مع عشيرتي دنان  ( Dindn )وشدادان ((Ședadan بالإضافة للبرازية والملليه , وامتنعوا أيضا عن إرسال الرجال من الاتحاد البرازي إلى التجنيد كما أسلفنا , وخاصة على جبهتي : فلسطين ومصر عام 1799 م . (1)
 وضمن هذه الأوضاع أرسلوا أولاد موسكي , رسائل إلى عشيرة بيزكي الكبيرة (بايزيكي)  Bêzikî وعشائر أخرى في المنطقة , وقد ضبط قائم مقام حلب محمد باشا رسائل منها,  تدعوا العشائر المذكورة , إلى التحالف مع البرازية  وباقي العشائر , والحرب ضد العثمانيين   ( 2) .
 
وقررت الدولة العثمانية اثر ذلك تجهيز حملة عسكرية ضد عشائر الاتحاد البرازي في المناطق المذكورة , وحسب المصادرة العثمانية : أن الحرب بين البرازية والعثمانيين استمرت من عام 1799إلى عام 1847 , وكانت في أوج مراحلها عام 1831, حيث حاصرت القوات البرازية والمللية , القوة العثمانية المتواجدة في بيراجيك , حتى اضطرت تلك القوة الاحتماء بقلعة بيراجيك لحين مجيء النجدة العثمانية ,التي طلبها متسلم بيراجيك لطف الله آغا عام 1831, حيث أرسل قائم مقام حلب محمد باشا المدافع والجنود لنجدة  قوات لطف الله آغا المحاصرة في قلعة بيراجيك  (3)
 
واستمر النزاع مع العثمانيين سنين طوال , إلى أن تمكنت القوات العثمانية بعد محاولات عدة , من قتل حمي موسكي , و إلقاء القبض اثر خيانة على كرعي موسكي وأعدمه عام 1845 م . (3) 
وقد ذكرت الملحمة الفولكلورية : على لسان (شاري) أخت حمي وكرعي : أن عزير و متو وبرهو ملا حسن من كبار رجالات البرازية , كانوا مع العثمانيين سرا , يجتمعون مع أولاد موسكي ويدعون تأييدهم لحمي وكرعي , وفي اليوم الثاني ينقلون الأخبار إلى عثمان باشا والي حلب والرقة قائد الحملة العثمانية , وقد ورد اسم هذا الوالي في الملحمة الغنائية أيضا , ولم تنتهي هذه الحرب إلا بعد عام 1847.
   
وضمن حملتها عملت الدولة العثمانية على  تشتيت الفرسان البرازية من خلال إبعاد أولاد مصطفى برمدا , حسن وحسين وأحمد من عشيرة كيتكان , إلى عفرين ثم حارم  عام 1824 م .
 
وأثناء وجود إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر في سوريا , التقى إبراهيم باشا بأولاد  موسكي عام 1832 م ,  واتفق معهم على أن تكون منطقة البرازية (سنجق أورفا) بحمايتهم , دون أن يتدخل جيش إبراهيم باشا في المنطقة .
غالبا يأتي ذكرى حمي موسكي في الملحمة الفولكلورية دون كرعي , كونه أكبر أولاد موسكي وقائد البرازية في هذه الحرب , والسبب الثاني هو استبساله في القتال , حتى غرز رمحه في جسد أحد رماة المدافع , ولم يستطع إخراج رمحه من جسد الرامي من شدة الحرب , وبقي دون رمح , حيث كان الرمح سلاحه الهام, لأن السيف لم يكن يجدي في المعركة , وقتل بعد أن خسر رمحه , وكان قد قتل المئات من الجيش العثماني  ورجال العشائر العربية من: الجيس والعدوان , وهي العشائر الأساسية المتحالفة مع الدولة العثمانية في هذه الحملة .
 
كان حمي موسكي متزوجا من تركمانية, لم تذكر الملحمة الفولكلورية اسمها , وركزت على لقبها (تركي) وخلف حمي منها بنتا ,هي نوري التي يكنّى بها (باڤي نوري) وخلف كرعي موسكي ابنا اسمه موس , وغابت ذريتهم عن الذاكرة الشعبية وعن عائلة (موسكي), دون غياب اسمهم في التاريخ والأدب الشفوي .
 
راجع :
بحث الكاتب محمد علي أحمد المنشور في موقع مدارات كرد .
 
أرشيف الدولة العثمانية.
1- أرشيف الدولة العثمانية , الوثيقة ذات الرقم 312 من المجلد 12898 رمز الخزانة C..AS تاريخ 1799م .
2 – الوثيقة ذات الرقم 389 من المجلد 20707/ İ رمز الخزانة HAT تاريخ 1831م .
3 – الوثيقة ذات الرقم 389 من المجلد 20707 /R رمز الخزانة HAT تاريخ 1831م .
4 – الوثيقة ذات الرقم 66 من المجلد 1261 رمز الخزانة İ..MVL. تاريخ 1845م .
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…

ا. د. قاسم المندلاوي

نقدم في هذا القسم نبذة مختصرة عن فنانين عاشا في ظروف اقتصادية وامنية صعبة ابان حكم القوميين والبعثيين في العراق، والتحقا بصفوف ثوار كوردستان (البيشمركة الابطال) دفاعا عن شعبهم الكوردي ضد الظلم والاستبداد، اللذين لم يرحما حتى الطبيعة الجميلة من اشجار مثمرة وطيور وحيوانات في جبال…

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم…