إبراهيم اليوسف في كتابه السيروي «ممحاة المسافة : صور، ظلال وأغبرة»

صدر مؤخراً للشاعر إبراهيم اليوسف كتاب سيري بعنوان: “ممحاة المسافة: صور، ظلال وأغبرة” عن دار أوراق -القاهرة، ويتضمن  أكثر من خمسين فصلاً على امتداد 450 صفحة من القطع المتوسط يتناول فيها بيئته الأولى التي فتح فيها عينيه على الحياة في أسرة دينية. حيث الوالد أحد علماء الدين الذين تتلمذ على أيديهم. ثم يتحدث عن الكثير من تفاصيل يومياته ومنها علاقاته بالناس والشعر والمرأة والسياسة بالكثير من الشجاعة وممارسة الذات، مبيناً إخفاقاته ونجاحاته، عبر لغة سلسة، رشيقة، يتوزعها الشعر والسرد.
يقول المؤلف عن كتابه:
ينتمي هذا العمل إلى ما هو سيروي، حيث تناولت فيه ما يمكن وسمه بسيرة استثنائية لي كإنسان بسيط عادي، قبل أي نعت آخر لاحق، كشاعر وككاتب….وغيرذلك، من خلال تسليط الضوء على بعض المفاصل المثيرة في حياتي،  كراو، وكسارد، منذ ولادتي الأولى وإلى الآن، باعتباري ابن مكان خصب، غني بعالمه الفريد.
أعترف، أنه لم يكن في بالي أن أكتب رواية ما، وإن كانت أحداث  هذه الأسرودة تكاد تتعالق دلالياً وسيروياً مع عالم الرواية، ليس عبر بطلها الراوي، أو الشخصيات المحيطة أو الملتصقة به: الأب- الأم- الجيران. إذ تبدو البيئة الكردية التي فتحت خلالها كلتا عيني على النور، بالكثير من دقائقها، كما هي، بعيداً عن أي تصنع، ومن السهل استقراء حيوات الناس، البسطاء، في هذا العالم الفني، الواقعي، بكل شفافية وهم يواجهون  أقدارهم، بل ويدفعون ضريبة معاناتهم الهائلة..!
ممحاة المسافة -كتابي السيروي الأول صيغت فصوله من خلال التقاط بعض ما هو غرائبي يتاخم الخرافة في عالم أبناء قرية -تل أفندي- القرية التي ولدت فيها، حيث تكاد بيوتاتها جميعا أن تكون مجرد بيت واحد، رغم  تباين الأوضاع الاقتصادية لهؤلاء، إذ يعانون من شظف العيش، وعدم توافر خدمات الحياة الضرورية من ماء وكهرباء ومستشفيات، وغير ذلك.
حاولت جاهداً، وأنا أكتب هذه الأسرودة أن أبتعد عن الصنعة: لغة، وفضاءات، كي أكون أميناً لذاكرة المكان الغنية، وإن كانت ثمة شعرية ما تفرض نفسها، هنا وهناك على امتداد الشريط اللغوي لهذا العمل الأدبي السردي، من دون أن أتخلى عن الهيولى الخفية التي لا بد منها في أي نص إبداعي، لتكون له هويته، وكاريزماه، وجمالياته.
حاولت أن تكون ثمة جرأة -كما أزعم- في تناول حياتي الشخصية، حياة من حولي، بما يضفي على هذا العمل مصداقيته ليكون لسان حال أناس كثيرين، مهمشين، لطالما دفعوا ضريبتهم غالية، وهم يواجهون أداة المحو، كي ينتصروا في النهاية، على عزلتهم، ويكونوا في قلب الحياة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن كتاب «درب الهجّار.. حلم على هامش القانون» للكاتب والباحث القانونيّ السوريّ الكرديّ جيان بدرخان، في عمل سيريّ جديد يضيف صوتاً لافتاً إلى أدب الهجرة العربيّ والكرديّ، ويقدّم شهادة ممتدة على رحلة إنسان عبر الحدود والثقافات والتحولات الاجتماعية، انطلاقاً من سوريا وصولاً إلى ألمانيا، حيث تتشابك التجربة الشخصية مع أسئلة الهوية…

مروة بربم

قُبَيل العصر, وقبل أن يستنفد النهار رصيد ساعاته القليلة الباقية، اعتراني قلقٌ ثقيلٌ رهيب.

لم أجزع من زيارته المباغتة، فهذه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، كما أنني لم أُبدِ استيائي من طريقته البوليسية في اقتحام الروح دون إخطار.

استقبلته بفتور وبلادة الجليد، هو لا يعرف أنَّ الماء ينهزم، إذا دفعته الظروف نحو قِفار المتجمد الجنوبي، فيقضي…

صبحي دقوري

المعرفة، في أصلها العميق، ليست عِدّةً باردةً للعقل، ولا مفاتيح معلّقةً على خاصرة الكلام، ولا حصيلةً من الأسماء والتواريخ والمصطلحات. إنّها، حين تبلغ صفاءها الأقصى، تصير عِشقاً. وما لا يُعشَق لا يُعرَف حقاً؛ لأنّ المعرفة التي لا تمسّ القلب تبقى واقفةً على عتبة الشيء، تدور حوله كما يدور الغريب حول بيتٍ لا يملك مفتاحه.

زاني،…

عبد الجابر حبيب

متى يصبح الناقد طرفاً في النص؟

من حق القارئ أن يتأثر بالنص، ومن حق الناقد أن يؤوله، ولكن ليس من حق أحد أن يتبنى فكرة ليست فيه ثم ينسبها إلى صاحبها. وهنا يكمن الفارق الدقيق بين التأويل بوصفه ممارسة نقدية مشروعة، وبين تبني الأفكار بوصفه موقفاً شخصياً يحاول أن يجد له موطئ قدم داخل…