الانتقام من الزعيم الجنرال في رواية «الغرانيق»

إدريس سالم
يبدأ كلّ شيء وينتهي في بلدة صغيرة ومن مواطن مهلوس، لا اسم للبلدة ولا لذاك المواطن، هذا المواطن أو السارد هو الشخصية الرئيسية في هذا العمل الروائي القيّم، من حيث أنه ملتقى طرق ومفترق بقية الشخوص والأحداث والصراعات، إلى جانب الزعيم الجنرال الصنم الحيّ، والشعب النائم الثائر ضدّه.
    المواطن الصغير، موظّف عامل في إدارة السجّل المدني، إلى جانب الموظّفتين “أم خالد وأم سمير”. يعيش مع زوجة سمينة مليئة بالشحوم واللحوم على أنغام روتين جنسي يومي. يلعب الورق في مقهى الثورة – كلّ مساء – مع ساعي البريد “أبو خالد”، وسائق الشاحنة “أبو سمير”، والموظّف في مكتب دفن الموتى “أبو ياسين”.
    تدور الفكرة الرئيسية لرواية “الغرانيق” للكاتب والباحث السوري مازن عرفة* حول شخصية الديكتاتور داخل كلّ مواطن سوري بشكل خاصّ، والمواطن العربي بشكل عامّ، أيّاً يكن تعريف ذاك المواطن. الغرانيق رواية واقعية، خيالية، كافكاوية، كاموية، كوميدية، بكائية، تراجيدية، سيريالية، تصويرية، رمزية، معقّدة ومتشابكة قادرة على احتلال الذاكرة، غرائبية بإسقاطاتها الحيّة ومجازاتها الذاتية، إذ خرجت عن إطار الرواية الكلاسيكية وحبكتها التقليدية. 
    تتألّف الرواية، الصادرة عن دار نوفل، عام 2017م، والتي وثّق فيها مازن عرفة عبر (356) صفحة، مطحنة الثورة السورية الحقيقية، كشاهد حيّ ومخلص لها على أحداثها وكآباتها، كتبها في أربعة أقسام، كالتالي:
القسم الأول: كآبة: 
يعرض فيه خمسة فصول هي: (البلدة، أنا مواطن نموذجي، أنا وزوجتي، أنا وزوجتي والجنرال، أنا والموتى الأحياء، أنا والصورة).
القسم الثاني: ساديّة:
يعرض فيه فصلين هما: (سادية سياسية، سادية جنسية).
القسم الثالث: انتفاضة:
يعرض فيه أربعة فصول هي: (المنتفضون، أنا الزعيم الجنرال أحيي وأميت، أبو عصام، أهالي البلدة).
القسم الرابع: جنون:
يعرض فيه أربعة فصول هي: (المجزرة، إنهم قادمون – الاجتياح، الإمارة الإسلامية، خاتمة).
    ينهض الروائي السوري مازن عرفة مُستلّاً قلمه وأفكاره، ليقدّم راوياً – سارداً نموذجياً تجاوز مرحلة الفِصام، إذ تُطلق بين الصفحات عدّة رُواة مصابين بالانفصام، الكلّ يحاور القارئ بذات اللسان، وربّما ذات الجسد والروح، برؤية كافكاوية خيالية ساحرة، أيّ أن الراوي روح مبعثر، ينسلخ من جسد؛ ليسكن في جسد آخر.
    تتميّز رواية الغرانيق بأسلوبها المبعثر لغة سردية، وشاعرية مفرطة في تصوير الأحداث والمواقف والنجوى الذاتية، لدرجة تشعر بأنك أمام قامّة شعرية كبيرة، اختبر الشعر قروناً عميقة، فهو يسرد وحشية العسكر ومعادلات كوارث سياساته بأسلوب شاعري عميق.
    يبدو أن القلم رفض أن يكون رجلاً مستبدّاً بين أصابع عرفة، إذ استطاع الأخير أن يروّض الأول بعبقرية عشرات الكتّاب في كاتب واحد، ليعلن عن ثورة كتابية منتفضة؛ لتحطيم الأصنام العسكرية والمخابراتية والسياسية والجوية والاقتصادية والتعليمية في العقول والقلوب، وليدعو إلى تحرير الجسد منها قبل الطبيعة والجغرافية، والوقوف على التاريخ المنحرف وإعادة صياغته.
    أن تنتقد الأدب يعني أنك أمام عمل أدبي ناجح، فرغم البنية السردية القوية للرواية وحبكتها المتلاحمة ولغتها السليمة، من انتقال ذكي ومفاجئ بين عدّة أساليب سردية، وحالات انفصام الرواة، وجرأة الغوص في طرح الأفكار والمواضيع، إلا أنه يؤخذ على الروائي في وقوعه في بعض الفصول والعديد من الفقرات في حشو لا جديد فيه، سوى أنه أطال من حجم الرواية قليلاً، كفصلي “أبو عصام وأهالي البلدة” من القسم الثالث المعنون بالانتفاضة، إلا أنه كان متوافقاً بين الأحداث الواقعية والخيالية بأسلوب دمج فيه أحلام اليقظة مع المونولوج الداخلي المرتبط بالفانتازيا والتراجيديا وهلوسات الدراما.
    ينتقم مازن عرفة من كلّ الزعماء الجنرالات المتسلّطين، عبر روايته، التي سنظلمها إن حاولنا كشف جمالياتها ورمزياتها الفكرية والفلسفية والأدبية والسياسية، التي لا تُعد ولا تُحصى، فهو الذي عاش طفولته في فصل “سادية سياسية” من القسم الثاني، وهو الذي ثار ضدّ كلّ الأنظمة الشرقية الشمولية العبثية وجنرالاتها، داعياً لتدمير الغرانيق وأشباهها في العقول قبل الساحات، وإنقاذ الإنسان من كرنفالاتها القمعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مازن عرفة:
كاتب وباحث سوري (مواليد عام 1955م)، مقيم في ألمانيا. حائز على إجازة في الآداب، قسم اللغة الفرنسية من جامعة دمشق، ودكتوراه في العلوم الإنسانية، قسم المكتبات، من جامعة ماري كوري (لوبلين، بولندا). 
«الغرانيق» هي روايته الأولى عن دار نوفل، من بعد «وصايا الغبار»، ومجموعة من المؤلفات من ضمنها «سحر الكتاب وفتنة الصورة»، و«تراجيديا الثقافة العربية»، ورواية أخرى قيد الطبع ستصدر قريباً.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُمثِّل الهُويةُ الأنثوية واحدةً من أكثر القضايا حضورًا في الأدب المعاصر، إذْ لَم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فَحَسْب، بلْ أصبحتْ ذاتًا كاتبة تعيد تشكيلَ العالَم مِن خِلال لغتها الخاصَّة وتجربتها الوجودية الفريدة.

ومِن هذا المنطلق تتجلى أهمية المقارنة بين الشاعرة الكويتية سعدية مفرح ( وُلدت 1964 )، والشاعرة…

شعر: حفيظ عبد الرحمن
ترجمها شعرًا: منير خلف

بنعومةٍ،
ووشاحِ موّالٍ
يلامسُ جيدَ هذا الحُلْمِ
في شغفِ انتظارْ.

بجنوحِ باخرةٍ
تهبُّ من اصفرارِ التّبرِ
من خصَلاتِ شَعرِك،
ضحكةٌ خضراءُ تكفي
وهي تعزفُ من أعالي الأمنياتِ الشّوقَ،
هذا الشّوقُ يهطلُ
في بيادرَ من لقاءٍ
سوفَ ينبتُ في النّهارْ.

وبرقّةٍ
هذي خزاماك التي في سفحِ حُسنِكِ،
شامةٌ في الوجهِ في أيّارَ،
حقلُ زنابقٍ تطفو على النّاياتِ
يحجبُها انبهارْ.

وكأنّها أقراطُ آذارَ الجديدِ،
ومِسْكُ أجنحةِ الخيالِ
مُحَلّقاتٍ فوق خمرةِ…

محي الدين حاجي:

أبناء ديركا حمكو….منطقة كوجرا….ودشتا هسنا…..خصوصا والأعمار التي تبدأ بالأربعين تقريبا يتذكرون الأعراس الفلكلورية القديمة والتي كانت تقام في البيادر والفلا وتحت أشعة الشمس وضوء (اللوكس) المعلق على عمود صغير وأحيانا تحت ضوء القمر الصيفي .وصوت المزمار لم تكن تفارق الأذن إلا بعد أيام وأيام وصوت الطبل كانت تسمع…

صدر عن دار تاسك للنشر والتوزيع في الجزائر- أمريكا- إصدار جديد بعنوان “جكرخوين… رسول السهل والجبل” للكاتب إبراهيم اليوسف، يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة الكردية والعربية، من خلال مقاربة توثيقية تعتمد الشهادات والحوارات والقراءة الثقافية لشخصية الشاعر الكردي الكبير جكرخوين، أحد أبرز رموز الشعر والهوية الكردية…