في الشعر الكُردي «الساقط» «أغنية يوم وليلة» لـ: جوانمرد كُلَك ، مثالاً

 ابراهيم محمود
وأنا بصدد ما عنونتُ به مقالي هذا، أستعيد بعضاً مما كتبتُه في مناخات كتابي ” وعي الذات الكُردية – 2004 ” وقد نشرتُه في حلقات حينها، إذ تطرقتُ إلى أمثلة عديدة ، لا بل وكثيرة، مما يُسمّى بـ” شعر ” كردياً، وأكتب الكلمة ” نكرة ” هنا، تعبيراً عن تلك الإساءات البالغة التي تلحَق بالأدب، والشعر ضمناً، ولو كنتُ أمتلك الوقت الكافي لقدّمت مئات الأمثلة من هذا النوع ” الساقط ” في المعتبَر ” شعراً،كما أسلفتُ، وفي مواقعنا الكردية، وبالعربية، ويحتفى به للأسف، تعبيراً عن وجود فساد مستفحل في الذوق الأدبي، وانتشار سفهاء النقد، ومسوّقي هذه ” اللوخيميا ” : الشعر، وحتى في كتب/ دواوين شعر/ نصوص…
وجدَّتني منشغلاً بإحدى هذه المجموعات الشعرية ؟ وباللغة الكردية، تحت عنوان ” Strana Şev û rojekê ” للكاتب المتعدد المواهب، كما هو معرَّف به : جوانمرد كُلَك Ciwanmerd Kulek، والصادرة حديثاً نسبياً، عن دار نشر كردية راقية، هي ” آفستا ” في ستانبول، لصاحبها المعروف عبدالله كسكين، طبعة 2015، في ” 78 ” صفحة من القطع الوسط تقريباً. وقد ورد في بطاقة التعريف به، أنه من مواليد 1984، وكان يمارس الكتابة بالتركية بداية، ومن ثم باشر الكتابة بالكردية سنة 2004.
ما يلفت النظر أنه في البداية يُكتب ما يشبه التنويه، أي إلى خصوصية مجموعته الشعرية، فهو معروف كروائي، ويشير إلى الطريقة التي تملَّكَه بها الإلهام الشعري بغتة ” ص 11 “، وكيف أنه يتحدث عن علاقته بروح الشعر، وقد اختار الكردية لغة كتابة، تاركاً التركية وراءه، مثمّناً أهمية الشعر، حيث ( إن مكانة الشعر الرئيسة وأهميته، للكثير من الناس، تتجليان في أنهم ينسجون به حبَّهم، أو أنهم يشعرون بهذا الحب من خلاله . ص13 “.
وفي النهاية، هناك ما يشبه القصة ” الموت، قبل كل شيء، صص72-78 “، لا تستساغ لا بوقْعها أو بنقعها هنا.
في العودة إلى ” شعره “، أختار أمثلة مختلفة منه، ولو أمكنني لأوردت المقابل الكردي في كل ما أضع ترجمة عربية له. لكن ذلك متروك لذائقة القارئ الذي لم ” يسقط ” ذوقه الفني:
في قصيدته ” Nihuran : شجَن “، يقول، وفي عبارات مكررة، مسجعة، محنَّطة:
أواه يا قلب أي قلب أنت
أنت معذّب مهموم
أواه يا قلب أي قلب أنت
كلُّك ألم
أواه يا قلب أي قلب أنت
أنت شوك وعوسج
أواه يا قلب أي قلب أنت
من دون مرهم…..ص15 
ليس من حضور شعري في هذه العبارات، طالما أنها تكرر ” المصاب الجلل ” للمعتبَر شاعرها ” مصاب قلبه ” حيث المعنى متنقل، موهماً أنه يطعّم كتابته بما هو شعبي ” فولكلوري “:
Hey lo dilo tu çi dil î
Bi êş xem î
وما في ذلك من تسطيح لروح الفولكلور نفسه، حيث يستضاف في إهاب شعر له طابع حداثي.
وما في مقاطعه الشعرية الواردة  تحت عنوان ” Dûrik : بُعْد “:
جزيرة بوتان تجاور الأنهار
يخيّم عليها تراب دبق
يموت الناس كرباً
لا عن عقل لا عن وعي
ثم:
تقبِل الفتاة الهكارية من المدرسة
تسدّد سهماً على قلبي
تنزع قلبي عن صدري
في الأصيل حد المساء . ص 22 .
وفي مكان آخر:
لا تجيب الفتاة الهكارية لا بـ” نعم ” ولا  بـ ” لا ” 
تقطّع قلبي تقطيعاً
أفقد صوابي
ذلك ليس خيراً ولا مفخرة . ص 32 
ألا أخرِجوا ورقاً
وسجّلوا هموماً وحسرات
واجعلوا روحي أيضاً فدى لها
واعرضوه لهواء الشمال . ص 40 
بشارتي مقدم اسمها
صوتها مثل البحر
إنها لا تسمع ولا ترد بـ ” نعم “
ماذا أفعل في هذه الحالة . ص 54 .
…الخ
على هذا المنوال، يمكن المضي إلى الآخر، صحبة شعور مثقَل بوطأة المكرر، والفاقد لتلك اللمعة الشعرية التي تمنح القول الشعري حضوراً فنياً، يتسرب بمعناه الرقيق والعميق إلى الداخل، ويمتد بحامله إلى الغد .
ما أقوله بإيجاز شديد، هو أن طرح مثل هذه النماذج: الأمثلة تحت مسمّى الشعر، في مواقع الكترونية، أو بين دفتي دواوين شعرية، يشكل إضافة نوعية سلبية طبعاً، إلى سلسلة المجازر التي ترتكَب بحق الأدب أو الشعر، بمقدار ما يكون ذلك تعبيراً آخر عن خراب الذوق، لا بل وضحالة ملَكة النقد لدى المتلقي، إن لم يكن الأخير نفسه ناقل عدوى أو وباء مثل هذا النوع مما تعرضت له، ربما نوعاً من التكاتف الجماعي إجمالاً، للحيلولة دون السماح لأدب فعلي، وفي نطاقه، شعر ينشّط عظام الروح وهي رميم، وليكون ذلك شهادة أخرى على هدر روح مجتمع بالكامل .
ما علي التنويه إليه، هو أن ” شاعرنا ” ؟ كاتب عدة روايات ” ضخمة نسبياً “، مثل ” أطفال قرب النهر، ط1، 2007، ط2، 2015 ” في 406 ص، و” رسالة إلى الله، ط1، 2007، ط2، 2015 “، في 266 صفحة، قصص، مثل ” واحد أربعة، ط 1 ،   2015 ” ومترجم أعمال لكتّاب عالميين، كما جاء في بطاقة التعريف به، كما في ” بينما أحتضر ” لفولكنر، و”  أهالي دبلن ” لجيمس جويس، و” وقائع موت معلن ” لماركيز، و” القلعة البيضاء ” لأورهان باموق، و” جبال الأنديز ” لماريو فارغاس يوسا….الخ .
والسؤال الذي يطرح نفسه أيضاً: وفق أي معيار جمالي، يوافق صاحب دار آفستا: عبدالله كسكين، على طباعة أدب/ شعر ” ساقط ” كهذا؟ أم أن العملية تعيدنا إلى الدائرة الموبوءة ” المحسوبيات ” والمزاجيات ذات الصلة ؟
ملاحظة: في معرض أربيل الدولي الأخير للكتاب العربي ” 3-13/ 4-2019 ” اقتنيت بوكس” علبة ” تتضمن ستة أعمالاً لجوانمرد كلك، كما هي صورتها في النهاية، هي أربع روايات ، إلى جانب مجموعة قصصية، وهذه المجموعة ” الشعرية ” ؟. طبعاً إلى جانب أعمال أخرى لكتاب كرد نشرت أعمالهم من قبل “آفستا ” .


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…