مهرجان الشعر وسري كانيي جرحنا الجديد

 صبري رسول
احتضنت مدينة إيسن الألمانية (مقاطعة شمال الراين) المهرجان الشعري السنوي المسمّى بـ(سري كانيي جرحنا الجديد) يوم الأحد 22/12/2019م في قاعة جمعية هيلين للثقافة والفنون، حضره نخبة مميزة من الشعراء والكتاب والمثقفين الكرد ومحبي الشعر. والمُلاحظ أنّ مدننا الشهيدات باتت تعنونُ حياتنا كما تعنْونُ قصائدنا، وتحضر معنا وجوداً وإحساساً.
افتتح الشاعر علوان شفان من «لجنة إدارة المهرجان» الحفل بالترحيب بالحضور باسم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكُرد وبالتعاون مع جمعية هيلين؛ وإجلالا لأرواح الشهداء دعا إلى دقيقة صمتٍ مع النشيد القومي، وقبل بدء الشعراء بإلقاء قصائدهم ألقى كلمةَ الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا الشاعرُ مروان بافي زوزاني. 
ألقى الشعراء التالية قصائدهم حسب ترتيبهم الزمني: بافي ألند، مزكين حسو، عزيز غم جفين (ألقت خناف غزوي قصيدة تقديراً له وليس بسبب غيابه) خناف غزوي  هوشيار عمر لعلي، صالح جنكو، إبراهيم فرمان، شاها بيفان، أحمد خورسي، أحمد عزيز، دليار ديركي، عمر إسماعيل. 
وغاب عن المهرجان كلّ من الشاعرة بريشان، ولوند داري وهما ضمن البرنامج.
ألقى الشعراء قصائدَهم وقد طغت عليها الحماسة الزائدة، كلٌّ حاول الظهور بالشكل الذي يجعله مميّزاً بنصّه الشّعري، وهذا من حقّهم، وبدل أن تدفعهم الحماسة، للتعبير عنها، إلى إيجاد الصورة الشعرية التي تتفاعل معها الرّوح، دفعتْهم إلى رصيف التقريرية السياسية، وكأننا في مؤتمرٍ سياسيّ. تلك هي عادة الكُرد في طرح همهم السياسي في كلّ محفل.
كان للقصيدة الكلاسيكية حضور جيد، ومميّز، وكأنّني أسمع قصائد جكرخوين في ديوانه الثالث، لكن استجدّت فيها أسماء المدن والبلدات الكردية الشهيدة، مع علوّ الاستغاثة المخنوقة، ربما لايستطيع الكُرد الخروج من «معطف جكرخوين» الشعري.
لم تغب القصيدة الشعرية الحديثة، الخالية من القوالب الجامدة، فكان هناك نصوصٌ اجتهد أصحابُها في صياغتها شعرياً. النّصوص الزاخرة بالصور الشعرية كانت قليلة جداً، لكن حلّقت بعضها بخفقاتٍ ممتعة، حيث تماوجت الصّور فيها بشكل لافت كالشاعرين: (أحمد خورسي وأحمد عزيز).
الإلقاء: تميّز بعضهم بنجاح الأداء قراءة وخطاباً، بغض النظر عن مستوى النصّ، وبعضهم الآخر كان أداؤهم مترهلاً، والتعبير الصّوتي في الإلقاء بدا مُتعَباً، ناهيك عن قراءة كثير من الألفاظ بشكلٍ خاطئ، بزيادة حرفٍ أو تحويره. 
الحماسة الزائدة عند بعضهم دفعتهم إلى إيقاف النّص، والدخول في تسجيل رأيه السياسي «على المدونة الكردية المدماة» عن توحيد الخطاب الكردي، كاستغلال الفاصلة الزمنية في المهرجان، فتنوّعت النداءات بنبرات استغاثية تعبّر عن الفجيعة الكردية. هذه الملاحظة تُسجَّل عليهم وليس لهم، والمهرجان الشعري يختلف عن المهرجان السياسي.
في غالبية المهرجانات الشعرية تتكرّر ظاهرة سلبية للغاية، لاحظتُها في معظم المحافل، تتلخّص بـأن الشّعراء الذين ينتهون من إلقاء قصائدهم في البدايات، ينصرفون إلى شؤونهم في أحاديث جانبية، ولا يكلفون أنفسهم عناء الإصغاء إلى قصائد الآخرين، ولا ننسى أنّ بعض التجمعات الصغيرة تتشكّل في زوايا القاعة وتتفتّحُ قرائحُهم للكلام، وهذه الظاهرة حاضرة في الأمسيات والنشاطات الكردية كلّها. (ليس هناك مُتحدثٌ جيد إن لم يكن يُجيد الإصغاء جيداً).
وككل المهرجانات السابقة تباينت فيه القوة الشعرية من قصيدة إلى أخرى. فكثيرة هي القصائد التي لم ترتفع من المباشرة السياسية والخطاب السياسي الكردي السائد، الذي اصطبغت به حتى الدواوين الشعرية. «السياسة تقتل الشعر، وتمشي في جنازته»؛ كان للنواح الكردي العام حضور قوي في نبرة الإلقاء الشعري «وهذه من سمات الضعف في القصيدة وليس قوة تُسجّل لها) فجاءت عدة قصائد بسطحية فجة، تغلّبَت فيها السياسة على الشعر، وكأنها بُنيت لتكونَ شعاراتٍ لا قصائد. ونصوصٌ أخرى تلامست بحسّها الرّهيف الجرح الوجداني، لكن بلغتها الإيحائية والصور المتلاحقة ببلاغتها البيانية التي نسجت التّعبير الشعري بقوة، تتغلّل في الرّوح.
الجوائز: تمّ تكريم حفيظ عبدالرحمن بجائزة المهرجان، وكجا كُرد الفائزة بجائزة جكرخوين في دورتها للعام2019م. قدّم الشاعر هجار بوطاني نبذة عن حياة حفيظ، وأنشطته الحقوقية، وتجاربه الكتابية، ثم ألقى حفيظ قصيدة جميلة وممتعة، ثمّ قدّم بافي زوزاني سيرة حياة كجا كُرد، وكتبها المنشورة، ثمّ تحدّثت هي عن تجربتها ورحلتها مع اللغة والشعر. 
وذكرت لجنة الإدارة بانّ هناك جائزتين في الداخل السوري، لكلّ من الشاعر (صالح سلو، والكاتب حسن جنكو)
تخلّلت المهرجان فواصل موسيقية ممتعة، حيث قدّم سليمان هوفك بعض أغانيه مع الطنبور الكردي الجميل، وقدّمت الفنانة روجين كدو بصوتها العذب باقة من الأغاني الجميلة (bave fexro) (ويلا لمن غريبي) مع بزق الفنان بهاء شيخو، كما قدّم الفنان بهاء بعض أغاني الراحل محمد شيخو الرائعة، وكان للفنان خيرالدين برو حضور جميل في أغانيه الكردية، حيث الصّوت العذب، والأداء المميز. 
ثمّ قام الشاعر علوان شفان باختتام المهرجان بالشكر والامتنان للحضور، وللقادمين من الأماكن البعيدة.  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…

جان دوست
كاتب وروائي

تحظى دمشق الشام كحاضرة مركزية ورمز حضاري وملاذ آمن وأيضاً مكان جميل بمكانة سامية في الوجدان الكردي. وتأتي تلك الأهمية حسب اعتقادي، من أنه كانت أحد حصول صلاح الدين الأيوبي توطيد حكمه وترسيخ بنيانه فيها، فأولاها اهتماماً بالغاً وبنى فيها المدارس والمساجد، وأهتم بأمور الحجاج الذين تمر قوافلهم منها وخاصة قافلة الحج الشامي…

صدرت أربعة كتب جديدة، للباحث : إبراهيم محمود، مترجمَة عن الفرنسية،الأولان : إعداد وترجمة وتقديم لنصوص ذات صلة بموضوع الكتاب، وآخران : بحثان كاملان، مرفقان بدراسة ، وإضافة نصوص، وتعليقات وتقديم، نشرتها في مجموعها دار ” أهوار- بغداد: العراق “، وفي طبعة أنيقة، وقد صمم أغلفتها المعبّرة، الفنان العراقي المعروف: كريم سعدون، والتصميم الداخلي الحِرَفي…