حوار مفتوح مع العاشق للفن و الحياة عنايت عطار (9)

اجرى الحوار: غريب ملا زلال 
غريب :
” نصنع وطناً ، نهرب منه ، فيهرب فينا . ” مقولة قرأتها لك فأوحت لي بوجع كبير تلخصه بهذه العبارة ، بوجع يلاحقنا في ترحالنا الكثير ، كما يلاحقك أنت ، و هذا يجعلك تضع أصابعك على الجرح تماماً ، فالتراكمات التاريخية المعقدة و ما تحمله من إنكسارات و خيانات و رموز تجعل من إتكائك على مقاطع لونية صائتة أشبه بحركة هي وليدة الذاكرة الموجوعة بالوطن ، إلى أي حد يرتبط الفنان بالمكان الذي ولد فيه أو ما يسمى الوطن ، أم وطن الفنان سر من أسراره ، يفك شفرتها متى شاء ، أم هو ما يرسمه بالقدر الذي يخصه هو ، و بالتالي هو الوطن الذي يصنعه هو ، أم أن الوطن خرافة ، و حكاية من الحكايات القديمة .؟
عنايت : 
نصنع وطناً ,,,, نهرب منه فيهرب فينا 
ذلك هو لب الإغتراب ولب الهواجس ولوعة الحنين ، طبعاً في الفن هناك تكثيف ، و ترميز ، و إيحاءات ,,,لا يمكننا أن ننهي لا فنياً ، و لا غير ذلك و نقول عنه إنه كل مافاتنا ,, إن الترميز هنا أمر لابد منه ، كما تراني كيف ألقي بوهج الشمس على الوجوه ، و أرمز بالمرأة الكردية إلى منابت الذكرى فهي الأم وهي الحبيبة وهي الجارة والأخت والصديقة ، و تعرفني كيف أفتح أمامها الأفق ، وحدها بالسماء حيناً ، وحيناً راعية للأفق أو راقصة في الريح تعلن نوروزها في جمرة مصقولة بالروح 
فإنها أي المرأة بالنسبة لي على الأقل منذ ( 15 )عاماً هي حمالة ذلك الحنين ، و جمال البساتين وغدير عفرين وحنطة الحزيرة وهي القول الفصل والقصيدة في زي اللون ,,,
نعم يا صديقي وكم من الشعراء يطلقون وهج الروح على إمراة حتى لوكانت القصيدة بكاءاً على الأطلال أو حنين بلاد غائرة في الشوق ، أو بكاءاً على مقابر الشهداء ولذلك قلت لك إنها تتقدم المشهد في لوحتي ولكن المحرك أو الدافع هو أن أجعل من المرأة عنواناً أو دليلاً يعيدني إلى ملاعب الطفولة والصبا ، إلى الأعراس ، والمآتم ، إلى حصاد الزيتون وبريق فرزه الأخاذ ، ثم إنني أعتقد أن عنصر الأنوثة و الجمال يجعلنا أكثر تعاطفاً 
، و الأهم من ذلك إنني لم أبحث يوماً في التاريخ ، أو في الأدب أو في أعمال الفنانين عما يلائم موضوعي فإني هنا أشرح لك وللقراء عن تجربتي وخصوصيتي ولكنني ضربت لك مثالاً عن الشعر كيف كان يرسم الشاعر في عيني المحبوبة خارطة الدنيا ,,, و دعني أذكرك بقول لبابلو نيرودا حين قال لزوجته ماتيلدا وهي مترددة في الخروج إلى السوق بنفس الفستان ، قال لها اذهبي كما أنت فالعالم يعرف أن الجمال أنت وأنا ,,,,,,, و أرجو في إجابتي هذه ألا يعتبر العالم إنني أقدم للفنانين نظرية في الإبداع ، ولكنني أقول لكم ولهم ها أنذا ,,, هكذا
عفواً أن ننهي عملاً فنياً ونقول
وحتى من بين السطور إن أدليت بمفهوم عن الفن وغاياته وقيمته بل حتى مقاييس الجمال ربما يكون في ذلك توضيح لرؤيتي وأرى إنه من الصعب على أي فنان أن يعمم تجربته الشخصية كزاوية لرؤية العالم أو لدعوة الفنانين أن يعملوا على منواله..
غريب :
العمل الفني جغرافيا و وطن يخلقه الفنان لنفسه ، و المتلقي هو سائح يطوف فيه ، يستنشق عبيره ، يتذوق أوابده ، أو لاجىء يعلن الهدنة معه فيروي كل منهما للآخر سيرته ، و حكايته التي لا تنتهي .
هل اللوحة قادرة أن تفعل هذا الفعل فينا. أن تتحول إلى وطن خلق كل منا الآخر ، نسكنه كما يسكننا ، و المتلقي هو حقاً سائح يستلذ بجولاته ، أم أنه أيضاً يبحث عن وطن و قد يكون العمل الفني وطنه ..
عنايت : 
مع أن هذا السؤال عمومي يخص الفن والفنانين والنقاد والمتلقين عموماً ،ولكن حسناً إذ لابد أن تكون لي رؤيتي ،وإجتهادي ،وبحثي ، وطريقتي فيما سألت ، إن الجغرافيا أو لنقل الإنتماء البيئي ، أو العودة إلى الحاضنة الأولى لابد لها أن تفعل فعلها ،ولو أعطينا قلماً ، وورقة لطفل صيني وقلنا له ارسم ولداً ، فلا بد أن تأتي الملامح صينية ،وكذلك الافريقي ،والإسكاندينافي ،والروسي والكردي …إلخ من شعوب الدنيا ، ثم لوقلنا له ارسم منظراً طبيعياً فلاشك أن إبن الغابة سيرسم غابة وإبن الساحل سيرسم بحراً ، أو مراكب ،وكذلك الحال عند إبن الصحراء ، وإبن الجبل ….إلخ ، بمعنى إن البيئة والجغرافيا ،طبعا لو كنا صادقين ، فإنها ينبوع الضوء واللون والملامح دونما مبالغات . الإلتزام ومصطلحاته النقدية فإنني مهما إبتعدت ،أو تنكرت لذاتي فلا بد من ومضة ،أو خلوة ترسمني قبل أن أرسمها ،ولذلك تراني لم أستغرق يوماً في المقولات السياسية تبجحاً بالإخلاص ،أو الإنتماء ،فإن ذلك أشبه بالدم السائل في عروقي .
إن سيرة الفنان مستمرة في تجربته وبحثه وخصوصيته ، أو لنقل إن ذلك هو عنصر الخصوصية إن كان الفنان صادقاً .
إن الوطن يا صديقي حتمي سابق وجودي للفعل الإنساني شعراً ،وتشكيلاً، ولحناً ، ورقصاً ، لابل سحراً لنكهة التوابل والشميم والمذاق .
أما عن المتلقي ، فأعتقد أنه بخلاف كل ماذكرت لأنه أمام كل عمل أشبه بالسائح الذي يريد معرفة البيئات الأخرى ،إن كانت في الملامح أو في الفضاءات ،أوفي اللون ، أو في النكهات ،أو في المذاقات ،وكثيراً ما أصادف مشاهدين في الملتقيات حين أقدم لهم شيئاً آخر ،أو أرسم في المكان ما أراه أمامي ، وبمجرد قراءة سيرتي في بطاقة التعريف من قبل منظمي الملتقى او من مطوية للتعريف على طاولة العمل ،وخصوصاً في المدن الغربية ،أويسألونني هل لديك أعمال كالتي نراها هنا في البروشور ؟ حتى لوحصلت على الجائزة الأولى فيما قدمته في المكان .
إن مجرد سؤال كهذا يعيدني إلى الأصالة والصواب حتى لو تهربت ،أو تنكرت ،ولذلك أنا لا أعتبر الأصالة مفخرة بقدر ماهي قدر يتدخل في الملامح والسلوك والفن والعشق كالصحوة بعد المنام تبدد و تنكر الحالات والرؤى .


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…