الشاعر السوري إبراهيم اليوسف في «أطلس العزلة: ديوان العائلة والبيت»: ارتدادات العزل

صدرت للشاعر إبراهيم اليوسف، عن دار الدليل للطباعة والنشر- برلين/ ألمانيا، مجموعته الشعرية “أطلس العزلة: ديوان العائلة والبيت”، في نحو 140 صفحة من القطع المتوسط. لوحة الغلاف للطفل شيا أيهم اليوسف، وتتضمن يوميات الشاعر وأسرته في ظل فترة الحجر الصحي العام، من خلال نصوص مكثفة، أو نصوص مفتوحة، كتبها كلها إلا نصاً واحداً منها- كتبه في أصغر أفراد الأسرة- في وقت سابق على زمن كورونا، ويعد امتداداً لهذه النصوص ذاتها. استهل الشاعر مجموعته بإهداء مكثف إلى والديه: 
 
إلى والديّ، أيضاً:
 
عبدالوهاب الشيخ إبراهيم
أمينة شيخ حسن
ليس لأحد في هذا العالم أن يدرك قولي لكما:
لم تكونا مجرَّد أبوين استثنائيين!
ثم يورد مفتاحاً أول لمجموعته هو:
بريق ذلك المفتاح الذي منحته إياه
يتوزعُ بين أوراق روزنامة البيت
مفتاح إلكتروني”.
ليقدم بعد هذا المفتاح الإلكتروني، لمجموعته بنفسه، كأن حالة العزلة فرضت عليه الاكتفاء بإضاءاته الشخصية على نصوصه هذه، وقد جاءت مقدمته هذه بعنوان: لماذا الأسرة؟ لماذا البيت”، كما استطاع أن يخرج النصوص من دائرتها الخاصة، إلى فضائها العام، رغم أنّ أغلب النصوص قد عنونت بأسماء أشخاص وأمكنة خاصة به، ومن محيط أسرته ومحطات ذكرياته، جاء في نص “طائرُ يفكُّ الحجرَ الصحيَّ”:
ليس ثمَّة عالم خارج الغرفة
بقايا الأسرة الكبيرة
كلُّ في غرفته
كتبي المكوّمة أنفض عنها النعاس
آخر أخبار مسلسل الخوف
تنشرها الشاشات
التلفزيون
الكمبيوتر
الهاتف
أثيرُ المدينة الكبيرة
أعداد فرائس الفيروس
الموتى
مودعو المستشفيات
عدو لا مرئيٌّ لا يهدأ
بين الأصابع
على ثياب النَّوم 
على الطاولة
بلاط الغرفة
وفي الممرَّات
أجنحته معلَّقة في الهواء
طائراً نحوك
شارع ٌ متكوَّر
لا مارة ولا سيارات
نافذتي مفتوحة
كمامتها الشفافة
ثمَّة طائرٌ شجاعٌ
يغرِّد منذ الرابعة فجراً
على غصن الشجرة القريبة
ليس من عالم خارج الغرفة
إلا شبح خفيٌّ
يصرخ:
ابقوا هكذا في بيوتكم أيها الفرسان!
 
وقد سوّغت مقدمة المجموعة أسباب ال كتابة عمن هم مقربون، لأنهم كانوا إما يعايشونه ضمن حدود حجرات البيت، أو من بعض أبنائه وأحفاده. خارج دائرة البيت الكبير. بيت الجدة والجد، يقول:
 
خيل إليَّ، وأنا أكتب في اتجاهات عدة، حول كورونا أن أخصَّ من أنا على تماس أكبر معهم، يومياً، في البيت، أو على النطاق الافتراضي، بنصوص، تتناولهم، ورحت أكتب مثل هذه النصوص التي لقيت استحسان بعض من حولي، ونقد آخرين، لأجد أن ملامح هذا الكشكول الأوليِّ تتضح، تدريجياً، يوماً بعد يوم، فكانت هذه النصوص في الكائن الأقرب إلي، خلال زمن الجائحة، والمكان الذي يضمُّنا، بل سلسلة الأمكنة التي مررنا بها، وكانت عناوين لنا ذات يوم!
 
ليس لدي، أي رغبة في تشريح ما أكتب، لاسيما عندما أكون في موقع التقديم لتجربة جديدة، إلا في إطار إضاءة هذه التجربة، والحديث عما هو بعيد عن النص. عن دوافع كتابته. عن طبيعة زمن الكتابة. عن الأشخاص الذين تناولتهم- كما أفعل هنا- وسبب ذلك، لأترك الرأي النقدي لأهله، لاسيما إنني لا أعوِّل على هذه النصوص، إلا وهي صورة طبق الأصل عن أحوال أسرة عادية، في زمن كورونا، ولكن من خلال شكل كتابي آخر، لا يغامر، عادة، بتناول ما هو جد خاص، لأقدم أسباب هذه الكتابة.
 
لم يتخلَّ الشاعر عن فنتازيا العنونات أو سواها، كما الإهداء الذي استهل به مجموعته “عويل رسول الممالك” 1992، إذ قال: إلى “………………” لا داع لذلك، لطالما البياض يشي بك!
 
إذ يسمي فهرس العناوين: تضاريس: المكان والكائنات، ويسمي قائمة  إصداراته: إبراهيم اليوسف: ذرية وسلالات!
 
كما أن لفتته، في نشر بعض رسومات أحفاده، في فترة- الحجر الصحي- متوائمة مع عوالم المجموعة، فيقول في نص “بيت تل أفندي”: 
لكم آلمني مشهد فيديو جديد وصلني:
بيتنا الذي كنت أراه عالياً
تبحث شقيقتي عن أثره بلا جدوى!؟
تشير بإصبعها إلى أرض مستوية
يقولون: كان بيتكم هنا!
أربع وأربعون سنة فحسب
مرَّت على ذلك….
أعاين شاشة الهاتف
ينهض البيت من وحله وأعمدته وقشِّه.
 
والجدير بالذكر، أنّ كلمة الغلاف الأخير كتبتها خورشيد شوزي، ومما جاء فيها:
“تشكل نصوص مجموعة “أطلس العزلة: ديوان الأسرة والبيت” بداية تجربة جديدة، لدى صاحبها، إذ إنها ابنة مرحلة صعبة جداً، نمر بها، كما العالم كله، حيث اضطررنا لأن نتجرع مرحلة حياتية جديدة، ضاق بنا العالم خلالها، وغدونا أسرى بيوتنا، وقلقنا، ومخاوفنا، ولم يدع الشاعر هذه الفترة تمر إلا واستثمرها، على طريقته، إذ ملأها بكتابات مختلفة عن نصوص إبداعية في مجموعاته التي كتبها ضمن إطار الحداثة، ليحاول ألا يشبه ذاته، وألا تتقاطع نصوصه التي تضمنتها المجموعة مع ما سبق وكتبه من قبل، ولعل من أول ملامح الاختلاف التي يمكن تسجيلها الإغراق في البساطة، والتحليق في فضاءات ما هو سهل ممتنع، بالإضافة إلى أننا نراه ولأول مرة أكثر استغراقاً في مناخات أسرته، إذ يكتب عن والديه. أخواته وأخوته وزوجته وبناته وأبنائه وحفيداته وأحفاده ومقربين آخرين من العائلة ذاتها ما يجعلنا في مواجهة حميمية مغايرة تعطي لهذه النصوص بعداً آخر آسراً”. 
———– 
النهار

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…

فراس حج محمد| فلسطين

-1-

لا تعدّوا الوردْ

فما زالتِ الطريقُ طويلةً

لا نحن تعبنا

ولا هم يسأمون…

-2-

ثمّةَ أُناسٌ طيّبونَ ههنا

يغرّدونَ بما أوتوا من الوحيِ، السذاجةِ، الحبِّ الجميلْ

ويندمجون في المشهدْ

ويقاومون…

ويعترفون: الليلُ أجملُ ما فيه أنّ الجوّ باردْ

-3-

مع التغريدِ في صباحٍ أو مساءْ

عصرنة النداءْ

يقولُ الحرفُ أشياءً

ويُخفي

وتُخْتَصَرُ الحكايةُ كالهواءْ

يظلّ الملعبُ الكرويُّ

مدّاً

تُدَحْرِجُهُ الغِوايَةُ في العراءْ…

-4-

مهاجرٌ؛ لاجئٌ من هناك

التقيته صدفة هنا

مررتُ به عابراً في…