حكايات منسية مرتبطة بأرض مهجورة

عبدالعزيز قاسم
1-حكاية كوركي روال و كچكا كزي
 
يحكى أن “كوركي روال” كان أبنا لأحد الأمراء، ترك موطنه الأصلي بسبب رفضه لحكم والده المستبد، وعلى مدار عدة سنوات ظلت أخته “كچكا كزي” تبحث عنه الى أن وصلت بالقرب من المكان الذي استقر فيه أخوها من دون أن تعرف، وقد حال بينها وبين لقائها باخيها ظهور شخص ما بصورة إبليس “شرير” أخبرها بوفاة أخيها، ليكون سببا في عدم حصول اللقاء وأخبرها بانها لو انتعلت حذاء من حديد لتلف بها الدنيا بحثا عن أخيها فانها لن تتمكن من إيجاده في محاولة لإضعاف همتها في البحث عنه.
ونجح “الشرير” بتحقيق غايته وذلك عندما تمكن اليأس من قلب الفتاة فلجأت داعية ربها أن تمنحها السكينة بالموت فاستجاب الله لطلبها وحسب الرواية تحول عكازها الخشبي إلى شجرة بلوط تظلل قبرها المسكون بالحزن على فراق أخيها، ذاك القبر الذي يقع على قمة في وسط جبل “قره جوغ” او “Qereçoxê Misûsana” وتسمى هذه القمة “دارا كچكي” اي “شجرة الفتاة”.
وحسب ماتناقلته الناس شفاهياً عبر الأجيال: إن كورك مات من الحزن والألم ما إن سمع بوفاة أخته، ودفن هو ايضا على قمة تل طبيعي في الجهة الشمالية لقبر أخته من الجبل نفسه تسمى “دارا كورك”.
ومازالت الشجرتان موجودتان الى يومنا هذا لتكونا محجا لكل من انقطعت به السبل في لقاء حبيب او في الشفاء من مرض، هذا وقد اكتسب المكان شيئا من القداسة وربما لهذا السبب ولأسباب اخرى اوصى المرحوم نايف باشا الميراني رئيس عشائر الكوجر دفنه بالقرب من شجرة كچك والى يومنا هذا هناك من يوصي بدفنه قرب إحدى هاتين الشجرتين.
من جانب آخر هناك من يربط هذه القصة بأخرى معروفة وهي قصة “زمبيل فروش” بدلالة وجود مغارة في نفس الجبل من الجهة الشمالية (خلف الجبل) باسم مغارة كورك وهناك من ينسب تلك المغارة الى “زمبيل فروش” ووجود قلعة على تلة صناعية ملاصقة لتلة كورك في جهتها الجنوبية، إضافة الى وجود آثار مدينة باسم مدينة كورك “Bajarê Kurik”  وحسب ماسمعت ومن مصدر (ضعيف) ان المدينة كانت تدار من قبل أميرة كردية واسمها (كيني)، وحسب الروايات كانت كورك ملتقى تجاري وصناعي واستراحة للقوافل أكثر من كونها مجمع بشري وكانت فيها سوق ومعامل صهر النحاس والفضة وصناعة الحلي والمجوهرات والحرير المطرز بالفضة والذهب والجلود والتي قال فيها الاباء والاجداد الذين تناقلوا هذه القصة ان تلك المدينة كانت عامرة قرابة أقل من مئتبن عام وحسب مسنة عاشت اكثر من مئة عام من قرية حمزة بك توفيت حوالي 45 سنة كانت تروي أن جدتها أخبرتها انها اشترت فستان (خفتان) زفافها من مدينة كورك وقبل اعمار قرية (كانيا دريژ) بالقرب منها اي قبل عام 1980، كانت معالم المدينة واضحة بما في ذلك شوارعها المرصفة بالقرميد والأحجار، وفي غياب أي مؤسسة او جهة تهتم بتاريخ المنطقة فقد تعرضت كورك مثل العديد من المواقع الاثرية الى النهب والنبش بشكل مقصود بهدف سرقة ماتخبئه هذا الموقع الاثري من تحف وآثار تحتضن تاريخ المنطقة من النواحي القومية والسكانية والمعرفية، وتجدر الاشارة أنه كل ما تبقى من تلك المدينة حديقتين إحداهما  مزروعة باشجار السماق من جهة الشرق والثانية في الجهة الغربية مزروعة باشجار التين اضافة الى وجود عدة ينابيع ومقابر وفي الجهة الجنوبية للجبل أيضا هناك آثار  قرى وعدة ينابيع منها نبع ماء جاف “kaniya keçikê” وكانت مياهها المتدفقة تسير طاحونة مائية اختفت معالمها بعد عمليات التنقيب عن النفط في المنطقة.
٢- حكاية دلو و لوند
علما إن حكاية “كوركي روال” ليست القصة الوحيدة من الأدب الشفاهي المرتبطة بجبل قره جوغ التى طالما تناقلها الأجداد في ليالي الشتاء الطويلة ومنها قصة تقترب من قصص الاطباق الطائرة والخيال العلمي بوجود شقيقين باسم “دلو ولوند” وقد لا ابالغ بانها تكاد تقترب من النظرية النسبية التي اخترعها الفيزيائي الشهير أينشتاين، ويحكى ان دلو كان فلكيا ولديه مرصد على القمة الشرقية لجبل قرة جوغ وكان يسكن مع اخيه لوند وزوجة أخيه التي كانت دائما تبحث عن سبب لطرد دلو بحجة إنه شخص عاطل ويهدر وقته في مراقبة الفضاء وحركة الكواكب الا ان الزوج لم يهتم كثيرا بما كانت تثرثر له زوجته وذات يوم أخبرت زوجها ان أخاه دلو تحرش بها مما دفعه الى طرد اخيه ولم يبق أمام دلو الا الرحيل ويقال إنه طار نحو الفضاء منطلقا من مرصده  (كوپي فلمي kopê Felekê)،  على متن مركبته الفضائية وحسب الرواية إنها كانت تشبه جرة فخار كبيرة (دنك denik). ويقال بعد مضي عدة أيام اشتاق كثيرا لأخيه وقرر العودة إلى مسقط رأسه الا إنه لم يجد احد من أهله ومعارفه وقد مر على الارض أكثر من مائة عام بينما كان هو مازال على حاله وعند سؤاله عن اخيه وزوجته لم يتعرف أحد عليه ولم يبق غير آثار منزله، وهناك أغنية فلكلورية حزينة تتحدث عن مدى حزن وندم لوند على طرد أخيه وحسب المسنين ان أذاعة بغداد كانت تبث تلك الاغنية ومطلعها:
Dilo û Lawend bira ne
Dilo firda çû ezman e
و بعيدا عن سرد تفاصيلها لا بد لنا أن ننوه إنه وللأسف ضاعت كما ضاع الكثير من الحكايات والقصص الخيالية في الأدب الشفاهي الكردي في ظل عدم وجود أي جهة تمنح الدعم والاهتمام لأدبنا الشفاهي بحجج أنها ضرب من الخرافة والخيال وغياب الوعي بأهميتها التاريخية كمصدر مهم لتوثيق تاريخ المنطقة حيث يشكل الأدب الشفاهي رافدا يثري البعد التاريخي والمعرفي، وبخاصة تلك القصصص المرتبطة بأحداث ومعالم أثرية.
وهنا أود الاشارة وأثناء حدوث الكسوف الكلي في يوم الاربعاء 11 اغسطس 1999، قررنا أنا وبرفقة شخصين آخرين من قرية حمزة بك ذوي مؤهلات علمية واهتمامات بهذا الجانب التواجد على قمة كوبي فلكي لمشاهدة الكسوف وتصويره، تخليدا لذكرى الفلكي الخيالي (دلو) اولا، وثانيا كتحدي لتلك الاشاعات اللاعلمية التي كانت تنشرها الإعلام السوري والعربي حول مضار مشاهدة الكسوف حتى أن الحكومة السورية أصدرت انذاك قرارا بمنع التجوال واعتبار يوم الكسوف عطلة رسمية، في حين توافدت بعض البعثات الاجنبية الى موقع عين ديوار لرصد الكسوف.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…