خروف دِلبر*

نارين عمر

ترجمة: صبري رسول
عندما تمتزج الأمنيات والقرارات في حقلٍ واحد، في ساحة الرؤية الذاتية (الأنا العليا) يعتقد المرء أنه وحده صاحب الحق والإنتاج. لذلك ينضمّ إلى أمواج التبعية، بدون تفكير، أو من دون أن تتمكّن الحقيقة من إقناع فكره، وتكشفُ له أنّ المواقف ليست من نصيبه فقط، بل أنّ محبي الحياة  يحبون المواقف.
دلبر ذات القلب الطيب، الشّغوف بالأمل؛ يبدو أنّه قد دُوِّن على جبينها الانتظار المأمول، وعاهدت نفسَها بأنْ تقدّم الخروف، المُعلَّم بإشارة خاصة، ضحيةً وتعلن للأقارب والجوار بخطوبتها إذا رجع حبيبها من الغربة سالماً. لذلك خطفت خروفاً صغيراً من حضن أمها المسكينة، كلصٍّ في ليلة عاتمة، وعلَّمتْه بإشارة حمراء ليُصبح ضحيةَ عودة حبيبها المسافر، وأخذت تهتم بالخروف ذي الدلال والدلع كاهتمام أمٍ بطفلها الرضيع، تعتني به وتحميه، حتى باتت الخراف الآخريات تغار منها، تحاصرها، وتحرمُها من أشياء كثيرة، وتجعلها عاجزاً.
ومع مرور الوقت، تتوالى الأخبار المضلّلة والمخادعة سريعةً كطلقات على مسمع الخروف المسكين، وتطنُّ في أذنيه، يقترب موعد عودة الحبيب، وبكل هدوء تُسَنّ له السّكاكين. 
يبقى الخروف، المحاصَر، عاجزاً خاملاً، مُنطفِئاً، واسودَّت الدُّنيا أمام عينيه، ولاحظَتْ دِلبر أنّ وضعَه قد تغيَّر، لم يَعُد خروفها المدلّل المَرح، ولم يَعُد يأكل ولا يشرب. تساءَلت نفسَها عن أسباب تغيير وضعه، وتحسب ذلك في كلّ خطوة، في الشعور والتفكير. تابعته، وقعتْ نظراتها فجأةً عليه، وإذ به يحتمي بحضن أمّه، ودموع الاستعطاف والمَسْكَنة تهطل مدراراً.
دِلبر ذات المشاعر الدّافئة تشاهدهما بعمق، فتكاثرت عليها الهموم والمعاناة، وطغى على عيونها نومٌ مفاجئٌ، في ذلك الصّراع توسّع مخيالُها لترى بأنّ الخروف يخاطب أمه التي اشتعل قلبها ألماً بعدما اتّجه نحوها: أمي! أصحاب الحق والإنسانية، كيف يُشعِلون قلوبَ الأمهات ويشوونها على صفيح مصالحهم السّاخن ناراً وجمراتٍ.
الأمّ المهمومة جمعت الخراف الأخرى مع صغيرها النّاعم، وخبأتها بين قوائمها، ثم قالت: «خرفاني العزيزات، يبدو أنّ الطبيعة السّيكولوجية لدى الإنسان قد أرشدتْه إلى هذه الحقوق، ليتعامل وفق هذا السلوك مع الكائنات الحية الأخرى، وعندما منحه نظامُ الوجودية العقلَ والتفكير بدأ في الاستعلاء على الكائنات الأخرى المختلفة عنه، وحرّمها من حقوقها، واحتفظوا لأنفسهم بجميع حقوق الحياة واحتكروها.    
كيف يجرحون قلوب الصغار بارتعاشات الخوف ليبرّروا لفعلهم مع قرابينهم بأقنعة وتبريرات، هل توجد القلوب في صدور البشر وحدهم، والكائنات الأخرى ليس لها قلوب، ومحرومة منها»؟.
الأم الحزينة تخبّئ الدموع في عينيها، وفي داخلها يغلي الكلام محروقاً بالقهر، وبالنار المشتعلة في داخلها. وفق مقاييس عدالة الطبيعة: نحن الحيواناتِ نختلفُ عن البشر، فالتمييز عند البشر، وطبيعتنا الخاصة تُظهران أنّهم يربوننا ويخدموننا يومياً، لنكون لهم أضحية يقدمونها للآخرين كرماً، وليبينوا لهم إحساسهم الدافئ في قلوبهم. أعرف أنّكم تفكرون بأنّ اهتمامَهم لنا يأتي لخدمة مصالهم الشخصية، لتحسين متاع حياتهم في الطعام. وأستطيع الجزم بأنّ الفكر والمعتقدات الدينية تقودهم إلى النظر إلى المساكين والضعفاء مثلنا كوقودٍ لهم. وتبيحنا لهم طعاماً.
اندهشت دِلبر العاشقة، صاحبة المشاعر الرهيفة، من التفكير في الوجود الضبابي غير المعلوم، تخالُ نفسَها أمّاً والدّبة الغاضبة تلعب بصغيرها الذي وقع بين مخالبها. تُطلِقُ العنان لصرخاتٍ عالية، لكن لا أحد يستنجدها.
استيقظتْ مرعوبةً، بأنفاسٍ لاهثة متقطعة، وجدت نفسَها غارقة في أمواج التعرّق، بدأت تنظر حواليها بعيون مفتوحةٍ مغمضةٍ. تحايلت عليها مرآة الحقيقة فجأة، وإذا تماثل في ذهنها الخروف وأمه، كلوحةٍ أمام عينيها، مع ذلك كان الصّوت والصّدى يتبع الصّورة.
نعم يا دِلبر الحنونة! رغم أنه كان حلماً، وذلك القلب المحترق كالمشيمة التي يضمّ الجنين أصبح لك قبراً. لا أستطيع أن أقول أي إضافات عن الأم العاقلة الحنونة، وكلّ أمنيتي هي أن يحلم كل إنسان بالخراف المعلّمة بالإشارات الخاصّة. 
———————–          
* – تمّ اختيار هذا النّصّ من (مجموعة قصصية) ترجمتُها لمجموعة من الكتاب الكُرد الذين يكتبون باللغة الكردية. 
– القصّة للكاتبة نارين عمر. منشورة في مجلة أوراق العدد 13

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…