القدر ! .. قصة من مدينتي

هيثم هورو 

-١-
عاد آلان من الخدمة الإلزامية إلى قريته بعد مضي ثلاث سنوات، راح يعمل في مقلع للحجارة، وبعد مرور سنتين قام والده بتزويجه، ثم سكن آلان وزوجته جوار منزل والديه، وهنا التحق شقيقه جيكر ايضاً إلى الخدمة العسكرية مع مجموعة من شبان قريته، ثم عاد هو الآخر بعد قضاء الفترة القانونية إلى بيته سالماً .
بدأ جيكر يعمل في بيع كافة أنواع الحبوب والبقوليات بواسطة سيارته الداتسون القديمة، ويتنقل بين البازارات التي كانت تحدث خلال أيام الأسبوع في نواحي مدينة عفرين، راجو، جنديرس، ونواحي أخرى .
وفي أحد الأيام رافقت فتاة والدتها لشراء لدى جيكر قليلاً من المونة، وهنا لفتت أنظار جيكر إلى الفتاة المرافقة لوالدتها والتي كانت جميلة ومهذبة، أحس جيكر حالاً بأنها طرقت باب قلبه من النظرة الأولى لجمالها الأخاذ والساحر، وكما ان الفتاة شعرت بأن جيكر يتعمد في مماطلة تلبية طلباتها ليتسنى له النظر أكثر إليها، ثم سألها خلسةً عن اسمها صرحت الفتاة عن اسمها ( دنيا ) ولطيبة قلبها افصحت له عن اسم قريتها ايضاً وتزامناً مع الأسئلة المتبادلة جهّز جيكر كل ما طلبتها دنيا، ثم ودعت دنيا بائع البقوليات بلطف وحنان .
-2-
عاد جيكر من البازار إلى بيته وهو يحلم بشخصية ومفاتن دنيا، ويتمنى أن تكون هي زوجته المستقبلية، مر اسبوع جاء دور بازار تلك الناحية مرةً ثانيةً، استيقظ جيكر في الصباح الباكر ووضع كل بضائعه في سيارته، ثم انطلق وعلى طول الطريق كان يستمع إلى أغاني للفنان الراحل عدنان دلبرين، عن العشق والحب، إلى أن وصل ناحية راجو، وقام على الفور بتنزيل جميع اكياسه المليئة بالحبوب في ساحة البازار بشكل صف متناسق ومفتوح للعيان لجذب الزبائن، وبعد ترتيب عمله رأى ما زال البازار خالي من المارة، فقام بتحضير الشاي الساخن ريثما يتوافد القرويون إلى السوق، وبدأ يرتشف الشاي تارةً ويقوم بسحب نفساً عميقاً من سيجارته تارةً أخرى، وهو متشوق لرؤية دنيا في البازار، وبعد مرور ساعة وهو يلتفت يميناً ويساراً عسى ولعلّ أن تتراءى له دنيا من بعيد، لكنه في كل مرة كان يصيب بخيبة الأمل .
اكتظ البازار بالناس، وتعالت صيحات الباعة، وبينما كان جيكر مشغول مع أحد الزبائن تفاجأ برؤية دنيا وبرفقة والدتها، وتقول له صباح الخير وكاد أن لا يصدق عيناه من مشاهدتها نتيجة الانتظار الطويل رد عليها جيكر بابتسامة لطيفة قائلاً : صباح النور أهلاً وسهلاً بكما، ثم طلبت دنيا فوراً بعض من السماق والبرغل، وبعد أن ابتعدت والدة دنيا قليلاً حيث مدتْ يدها إلى الكيس الذي فيه مادة الفريك، وأخذت حفنةً منها لتتفحص درجة نعومتها وجودتها، وهنا استغل جيكر تلك الفرصة التي سنحت له بالتحدث مع دنيا وسألها فيما إذا كانت مرتبطة بأحد أم لا، أجابت دنيا : لا ثم عبر جيكر بحرارة بالغة عن اعجابه بها وحبه لها من النظرة الأولى، هنا أحمرت وجنتي دنيا خجلاً، ثم خشيت أن تسمع والدتها الحوار الذي يدور بينهما، ثم سأل جيكر مرة ثانية وهل ستأتين في الأسبوع القادم إلى البازار ؟ فأجابته دنيا بنعم، سر جيكر كثيراً ثم أدرك بأن دنيا أيضاً مهتمة به، وبعد ذلك أخذت دنيا أشيائها، ثم ودعت جيكر بحرارة وغادرت برفقة والدتها من البازار .
-3-
كررت دنيا مجيئها إلى البازار اسبوعياً بغية اللقاء بجيكر ولشراء ما يلزم، وكان جيكر يحضر لها اسبوعياً هدية تعبيراً عن حبه لها، وكان يضعها خلسةً في الكيس مع المواد المباعة لها ومن دون أن تعلم والدتها عن ذلك السر .
ظل جيكر على هذا الحال قرابة سنة إلى أن صارح والده بأن هناك فتاة جميلة من قرية معروفة، وطلب منه أن يخطبها له، فما كان على الأب إلا أن يلبي طلب ابنه، وبالإضافة إلى ذلك أن الوقت أصبح مناسباً، قام الأب الطيب بترتيب الذهاب وفق العادات والتقاليد السائدة، وجرت زيارة عائلة دنيا وطلب يدها، ثم تمت الموافقة على كافة الشروط في جو ساده الفرح والسرور  .
بعد فترة وجيزة، قام جيكر وخطيبته دنيا بشراء كافة حاجيات العرس، فقامت دنيا باختيار البدلة المناسبة من أرقى المحلات وقدمتها إلى جيكر وذلك حسب العادات المألوفة في المنطقة.
بينما كان آلان الأخ الأكبر لجيكر يعمل في المقلع كعادته حيث قام بإشعال فتائل الديناميت المحشوة في الصخور الكبيرة لتفتيتها، وأثناء هروبه بعيداً عن المكان ولسوء حظه انفجر الديناميت، وطارت حجرة إلى السماء، ثم عادت وأصابت آلان في رأسه فأرداه قتيلاً، وعمّ الحزن في القرية، ثم تم مراسيم الدفن وسط بكاء أهله وأطفاله الصغار وزوجته المسكينة، وبدأ الحزن يعتري داخل جيكر على تلك الفاجعة، وعلى أثر ذلك تم تأجيل حفلة عرسه الى اشعار آخر حداداً على وفاة أخيه .
-4-
مرت عدة أشهر ووالد جيكر يفكر كيف سيتعامل مع أرملة المرحوم إبنه، ثم تحدث مع جيكر قائلاً : يا بني ! انت تعلم أن أخوك آلان ترك ثلاث أيتام صغار، لذا يجب عليك أن تقبل بالزواج من زوجة أخيك المرحوم حفاظاً على الأمانة التي تركها في اعناقنا، فهؤلاء الأطفال هم ايتامنا من لحمنا ودمنا،انصدم جيكر من قرار أبيه ووضعه بين مطرقته وسندان أرملة أخيه، فلم يتحمل أقوال أبيه، وغادر مجلسه باكياً مقهوراً، ثم صعد سيارته وقادها إلى جهة مجهولة وهو يدخن سيجارة تلو الأخرى، حزناً على قرار والده القسري والتعسفي .
بقي جيكر ساعات طويلة خارج بيته، يفكر كيف سيقنع والده من العدول عن قراره الصارم والغير مقبول لديه بتاتاً، ثم عاد جيكر في ساعة متأخرة من الليل واعصابه منهارة .
وفي الصباح اليوم التالي تحدث مع والده متأملاً أن يعدل عن قراره المشؤوم، وقال له والدي العزيز أنا لم أنام طيلة الليلة الماضية، وأنت تعلم بأنني أحب خطيبتي ونحن مقبلون إلى حفلة العرس قريباً، ثم أجابه والده قائلاً : نعم بني اعلم كل شيئ، لكن للضرورات أحكام والقدر مكتوب ولا محال منه لذلك أرضي ما كتبه الله لك فتوكل عليه، وبعد جدال طويل أقنع الأب ابنه جيكر عنوةً على الزواج من زوجة أخيه المرحوم، ثم أردف بنهاية اقتراحه تسهيلاً لتنفيذ اقتراحه المثل الكردي المعروف :
Bûka li Ser hespê, kes nizne Qismeta kê 
(حتى العروس على ظهر الحصان، ولا أحد يعلم ستكون من نصيب من ! )
-5-
ارسل جيكر رسالة إلى خطيبته كتب فيها ما يلي :
حبيبتي الغالية دنيا 
لقد جرى بيننا حباً عذباً نقياً، وكنا في غاية السعادة والسرور بذلك الحب الجميل، الذي رسم على وجهك الناصع نوراً من ابتسامة، كزهرة البيلسان تعشقها النحلات والفراشات الجميلة .
عزيزتي انت تعلمين كانت حفلة عرسنا على الأبواب، لكن قضاء الله وقدره شاء أن يفرق بيننا، من خلال قرار أبي رغماً عني ومن دون إرادتي ومفاده أن اتزوج من زوجة اخي المرحوم، وذلك عطفاً على اليتامى الصغار، فكان حكم القدر اقوى منا جميعاً، لذا أقدم اعتذاري الشديد بألم وحزن عميقين لك، وأعرف انك انسانة طيبة القلب والخلق، اتمنى لك حظاً أجمل مع شخص آخر، ووفاء لحبنا المتبادل، سأحتفظ بتلك البدلة الرائعة التي اهديتيني، لتكون كفني في رحلتي إلى ديار الحق، وداعاً يا دنيا يا حبيبتي 
“جيكر المظلوم” 
-6-
تزوج جيكر من زوجة أخيه واعتنى بأطفاله، ولم يفارق قلبه خطيبته دنيا، والتي اصبحت ضحية تلك العادة المتخلفة.
مرت سنوات حتى بلغ جيكر الخامس والخمسون من عمره، وانتقل إلى جوار ربه نتيجة أزمة قلبية، فقاموا جميع أقربائه وأصدقائه بتنفيذ وصيته في تلبيس جثة جيكر البدلة المهداة من دنيا بدلاً من الكفن الأبيض المعتاد، وتحقق امنيته ووعده مع دنيا، وزف جيكر إلى مآواه الأخير بطريقة غير مسبوقة في مسقط رأسه وسط دهشة أهل قريته والقرى المجاورة .
وهكذا أصبحت البدلة الرائعة مضرب مثلٍ للعشاق الفاشلين ! 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…