«الجندول الحزين رقم 2 » للشاعر توماس ترانسترومر

ترجمة: عبد الستار نورعلي
1
شيخان، الحما وصهره،  ليزت وفاغنر(1)، يقيمان عند القنال الكبير
سويةً مع المرأة المضطربة المتزوجة من الملك ميداس
الذي يُحوِّل كلَّ شيءٍ يلمسه الى فاغنر. 
برودة البحر تتسرّب منْ أرضية القصر.
فاغنر بارز، الصورة الجانبية الشهيرة لكاسبر(2) متعبة أكثر من السابق
الوجهُ رايةٌ بيضاء.
الجندول مُثقَل بحِمل حياتهم، رحلتان: واحدة ذهاباً وإياباً، والثانية ذهاباً.
11
نافذة في القصر تحلِّق عالياً، وأثناءها تبرز ملامحُ رجلٍ يُكشّر فجأة
في الخارج يبرز الجندولُ فوق الماء واثنان من قطاع الطرق يجذفانه، كلٌّ بمجذاف.
ليزت قد كتب عدة اتفاقيات تسوية كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تُرسَل
الى معهد علم المعادن في پادوفا (3) للتحليل.
شُهُب!
كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تستريح، يمكنها أنْ تنخفض وتنخفض لتغرقَ خلال المستقبل حتى القاع
الى سنوات القمصان البنية.
الجندول ثقيل بحِمل كومةٍ منْ صخور المستقبل.
111
ثقوب على 1990 
25 مارس. اضطرابات تسود ليتوانيا.   
حلمتُ بأنّني زرتُ مشفىً كبيراً.
لا يوجد موظفون. كان الكلُّ مرضى.
في نفس الحلم مولودة جديدة
تكلمتْ بلغة سليمة.
V1
بجانب الصهر يظهر رجل الزمان ليزت وكأنّه سيد إقطاعيٌّ كبير متآكل
إنّه قناع
العمقُ الذي جرّب أقنعة مختلفة ورفضها اختار له هذا القناع
العمق الذي يتغلغلُ في نفوس الناس دون أنْ يُظهرَ وجهه.
V
آبه ليزت معتاد أنْ يحمل حقيبة سفره بنفسه خلال تساقط الثلج وفي ضوء القمر
وعندما يموت لنْ يستقبل جثمانَه أحدٌ في المحطة.
نسيمٌ عليل من كونياك فاخر ألقاه بعيداً وسط مهمة خاصة.
لديه مهمات دائماً.
ألفا رسالة في السنة!
التلميذ الذي أخطأ املائياً كتابة الكلمة يُعيد كتابتها مئةَ مرة قبل أنْ يحقَّ له الذهاب الى البيت.
الجندول مُثقَل بحِمل الحياة، بسيط وأسود.
1V
العودة الى 1990 .
حلمتُ بأنّي سُقْتُ عشرين ميلاً دون جدوى.
حينها كبُر كلُّ شيء. البلابلُ كبيرة بحجم الدجاج
غنّتْ عالياً لدرجة أنّها أصمّتْ أذنيَّ.
حلمتُ بأنّي رسمتُ أزرار بيانو
على مائدة الطعام. عزفتُ عليها، بصمت.
دخل الجيران ليستمعوا.
11V
النوطة الموسيقية التي صمتت خلال بارسيفال (4) كلّها (لكنها أصغتْ)
جاز لها أخيراً أنْ تقول شيئاً.
تنهُّدات… مقطوعة موسيقية…
عندما يعزف ليزت الليلة يضغط على دوّاسة البحر الى الأسفل 
لدرجة أنّ القوة الخضراء للبحر تنطلق الى الأعلى من خلال الأرض مع الصخور لتغمر البناء كلّه.
مساء الخير ايتها الأعماق الجميلة!
الجندول مُثقَل بالحياة، بسيط وأسود.
111V
حلمتُ بأنّي سأبدأ الدراسةَ لكنّني تأخّرتُ.
كلُّ الذين في الفصل يضعون أقنعة على وجوههم.
مَن هو المعلّم لا يمكن التكهُّن.
تعليق:
في دورة عام 1882/1883 زار ليزت ابنته (كوسيما) وزوجها (ريتشارد فاغنر) في مدينة فينيسيا. بعدها بأشهر توفي فاغنر. في هذه الفترة ألّف ليزت مؤلفَين موسيقيين اثنين على البيانو أسماهما “الجندول الحزين”.
هوامش المترجم 
*)  (Sorgegondolen Nr.2  قصيدة منْ مجموعة (Sorgegondolen ) الصادرة 1996، للشاعر السويدي  Tomas Tranströmer)، 1931- 2015) الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2011 
1ـ ليزت: هو الموسيقار الهنغاري فرانز ليزت (Franz Liszt ، 1811ـ 1886)
(فاغنر) : الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر( Richard Wagner 1813ـ1883) تزوج من ابنة ليزت (كوسيما)
2ـ كاسبر ( Kasper): أحد الحكماء (أو الملوك) المجوس الثلاثة الذين جاؤوا من بلاد فارس مع هدايا لمباركة المولود الجديد: المسيح عيسى بن مريم.
3ـ پادوفا (Padova) مدينة ايطالية، كانت مسرحاً لأغلب أحداث رواية شكسبير (ترويض النمرة)
4 ـ پارسيفال (Parsifal) : أوبرا من تأليف فاغنر 1882   
ترجمة: عبد الستار نورعلي
تشرين الأول 2021 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين…

صبحي دقوري

لم يفشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات لأن نصّه صعب فحسب، بل لأن مشروعه الأدبي كلّه يفضح حدود الأدوات التي اعتاد النقد العربي أن يعمل بها. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة نصّ غامض أمام قارئ مرتبك، بل أزمة جهاز نقدي كامل حين يجد نفسه أمام كتابة لا تدخل في قوالبه، ولا تستجيب لمفاتيحه…

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…

صبحي دقوري

تتقدّم البشرية اليوم نحو منعطف لا يشبه ما سبقه إلا في الظاهر. فمنذ الثورة الصناعية الأولى، والإنسان يخاف من الآلة، ويظن في كل مرة أنها جاءت لتسلبه عمله ويده ولقمة عيشه. غير أن ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي أعمق من مجرّد دخول آلة جديدة إلى المصنع أو المكتب. نحن لا نواجه آلة تحمل…