عامودا برسم البيع (بين الخطأ والخطيئة غلّيّاً ولغويّاً)

هيثم حسين

تختلف النظرة إلى أيّ مدينة من شخص إلى آخر، بحسب الناظر والظروف التي تحيط به في نظرته تلك، وتتقاطع الكثير من الأمور التي تفترض النظرة التي يطلقها في نهاية الأمر، وهي تتبع خلفيّته، منطلقه، غايته.. وعامودا كغيرها من المدن، تختلف النظرة إليها، بين منتمٍ إليها، معظِّمٍ لها، مؤلّه لها غاية التأليه، راءٍ فيها الحسن، ودونه لا دون يرى، مجمّلاً فيما يمكن أن يقال عنه سوءاً وقبحاً، مهوّلاً في تجميله هذا، حتّى لَيُشكّك في نظرته التي ينظرها، وقد يشكّك في مدى تماسكه الداخليّ
في مثل هذه الحالة، حيث النظر نظراً عقليّاً، يقتضي أن تكون مثلها مثل غيرها من المدن، كبرى في أعين أبنائها الغيورين عليها، عاديّة كغيرها من المدن التي تكون النظرة المحايدة لها، وقد ينظر إليها من آخر، على أنّها لا تستحقّ ما يقال فيها وعنها، وأنّها تعطَى قيمة أكبر ممّا تستحقّه، منطلقاً من سوء تقدير لها، مريداً تقزيمها للقضاء على مكتسباتها التاريخيّة، مفرّغاً لها ممّا استحقّته عن جدارة..
كما أنّها تمور بين نظرتين تتجاذبانها، نظرة ترى لها على أنّها قلب المدن كلّها، وأنّها تغني عن غيرها، وأنّ ساكنها أو ابنها يفوق غيره بتربّعه على إرث يهبه هيبة وفخاراً، هما بعض هيبتها وفخارها، ولأنّها المركز وكلّ ما عداها أطراف تكمّلها، ولا تكتمل إلاّ بها لأنّها واسطة العقد، الدرّة التي تكسب الدرر الأخرى القيمة المعتبرة.. ونظرة أخرى، وهي التي تكتفي بالحكم على الأبنية والشوارع والتنظيم، فيقال حينذاك إنّها في أقاصي اللاحضارة تتربّع على مملكة من غبار وطين، تطبع طباع أبنائها بمخطّطها الذي يتبرأ منه مخطّط المدن، ولا تشبه في شيء القرى، حيث هي من الخارج، كما يقال عنها، قرية كبيرة، ومن الداخل، من قبل أبنائها في داخلها أو في مهاجرهم، ينظر إليها وتوصف على أنّها مدينة كبيرة، لا بمخطّطها وعدد سكّانها، بل بماضيها وحاضرها، دون المرسوم لها وفق أجندة تبقيها قرية دون مستوى القرية، بلدة التخوم التي لن تكون المدينة أبداً، المدينة التي لا تصلح لتمثّل حسب الصفة هذه، العاصمة الرمزيّة التي تفقد رمزيّتها بتقادم الإمحاء وتراكم الخراب..
عامودا، المحتار في وصفها، المُختلَف في هذا الوصف، هل يقال عنها مدينة، وهي دون ذلك (طبعاً من الناحية الرسميّة لا من منظوري الشخصيّ، لأنّها عندي هي المدينة المحجّ، كوني أحد أبنائها، وأتشرّف بها أينما كنت وأكون، أينما أحلّ وأرتحل)، أم هل يقال عنها قرية وهي فوق ذلك، هي التي يُبقى عليها مجمّدة وهي تستعصي على القولبة، لأنّها تتشعّب في اللانظاميّة، أم تترك لتنمو نموّاً لن يريح البال.. وهي تتأرجح بين الخطأ في التصوّر والنظرة، بين التصوير والتمثيل، كونها أصبحت بلدية كغيرها من البلديّات المجاورة لها، هذه البلديّات التي تلقى الاهتمام الذي لا تلقاه البلدة الشيخة، أو الأمّ التي يُنهى مفعولها، لأنّ اللامكانيّين الطارئين، قد شبّوا عن الطوق، واكتفوا بما أُوصلوا إليه من تمدين وحضارة..
حاصر حصارك لا مفرّ..
تحاصري حصاركِ لا مفرّ..
تناسبي مع وصفك لا ضرّ..
التاريخ يكتب، ولا يحتاج إلى أقلام دون حبر، لأنّه يتدوّن تلقاء، بأيدي أبنائها، الحريصين عليها حرصهم على أبنائهم، حيث تتعادل الأمّ مع الابن في الحرص، والمطمئنّ إليها لا يحتاج ضمانات، لأنّ مجرّد الانتماء إليها هو بحدّ ذاته ضمان كافٍ وصكّ موثوق..
ما يدفعني إلى الحديث عن مدينتي، ما أراه اليوم يمارس بحقّها من إهمال مريعٍ، من تحويل لها عن مخطّطها، من تحوير لهذا المخطّط، فحيث يُفترَض أن يؤدّي مشروع ما إلى خير البلد، فإنّه يُقلب إلى العكس، فيتضادّ معها، وكأنّه يسخّر لغير ما خطِّط، أو لما قد خُطِّط بعينه من لدن أولئك الذي لا يعرفون انتماء، ولا يفهمون أيّ انتماء خارج خانة الكسب غير المشروع من الباب المشرّع لذلك..  
أتحسّر، وأنا أقرأ – تقريباً- على كلّ حائط أو باب أمرّ به، جملة مكتوبة تقول: “الدار برسم البيع، أو دار برسم البيع، أو دار للبيع… إلخ”، بعضها مكتوب بالدهان الملوّن، أخرى مكتوبة بخطّ جميل، ثالثة مكتوبة على ورقة مكتوبة على الكمبيوتر، وأتحسّر أكثر على البطالة التي تتآكل أبناءها الراغبين بمعظمهم في الهجرة منها، والابتعاد إلى مكان يؤمّن لهم قوت يومهم، بل وأراها، تسوّد، “وتسودّ” في أعين الكثيرين يوماً بعد يوم، حيث الفقر في الوطن غربة، كما يقول عليّ بن أبي طالب، وأكاد أقول، إنّ أغلب أناسها باتوا غرباء فيها وعنها، وعن بعضهم البعض فيها، ففرص العمل معدومة، البيع شبه راكد فيها، الكلّ يبيع ويبيع، ولا أحد يبتاع ما يباع..
وهنا، أتالّم أيضاً، فلا يخفى على أحد، الأخطاء اللغويّة التي تصيب الإنسان بالقرف، وهو يراها متراكمة هنا وهناك، على الطرقات، على المحلاّت، على اللوحات الإعلانيّة، على الآرمات المختلفة في كلّ مكان، ولا يعتب عليها كثيراً، وإن كان هذا خطيئة، ولا أنطلق من غيرة على اللغة فقط، سواء الكرديّة منها أو العربيّة، وكلتاهما لغتي، محادثة وكتابة، لكن أودّ التركيز على الجانب الأهمّ هنا، وهو عندما يغالَط في اللوحة الدالّة على دائرة رسميّة معيّنة، يكون هنالك خلل يستوجب المراجعة، وأذكر نموذجين هنا من عامودا بالذات، والأمثلة هذه قد تكون صالحة للتعميم لأنّ الأخطاء عمّت وتعمّ، والجهل استفحل ويستفحل، والإهمال قد بلغ مداه، وهذان النموذجان اللغويّان، قد ننظر إليهما ببراءة الخطأ اللغويّ غير المدقّق فيه، كما قد ننظر إليهما نظرتنا إلى الخطيئة التي لا تغتفر، وهما: “مركز بيع عامودا”، “مخفر بلدة وسجن عامودا”، الأوّل مكتوب على مؤسّسة العمران في المدخل الجنوبيّ للمدينة، على طريق الحسكة، والثاني مكتوب على باب مخفر البلدة في مركز المدينة، حيث أنّ إضافة مركز بيع إلى عامودا، وكلّها منكّرة تنكيراً جهليّاً بالقواعد، فتكون عامودا وفق الكتابة هذه هي المادّة المعروضة للبيع، عوض أن يكون مركز البيع في عامودا، بحسب ما يجب أن يُكتَب، وفي الحالة الثانية والتي قد وردت فيها الكلمات كلّها منكّرة أيضاً، ولا حاجة بنا إلى درس النكرة والمعرفة، لأنّ النكرة لا يعرّف إلاّ بمعرفة يرقّيه إلى مستواه، ليكتب هذه المرّة أيضاً كلّ الكلام نكرة بجانب نكرة، معطوفاً على نكرة، لتكون المدينة، التي هي اسم علم، منكّرة، يلغَى التعريف الدالّ عليها، لإلغاء مدلولها وبعدها الماضي في حاضرها ومستقبلها، والبراءة في التحليل تقول إنّ هناك خطأ لغويّاً قد ارتُكب، فبدل أن يكتب مخفر البلدة – سجن عامودا، كتب ما كتب، حيث عطف أحدها على الآخر نكرة، لتستجرّ من ثَمّ عطف الآخرين إليها، كي لا يفهم أنّ السجن لعامودا، لا في عامودا، كي لا يفهم أنّ المدينة هي السجينة، بدل السجن الذي في المدينة..
وإذا افترضنا في تحليلنا جهل مصمّمي الآرمات هذه، هل يحقّ لنا أن نتمادى في التأويل..؟ ألم يُقرأ هذا الكلام قبل أن يعلَّق في مكانه، وإن كان قد قُرئ قبل أن يوضع حيث هو، دون أن يُفهَم منه، فهذا أدعى للمساءلة، فالمخطئ في القراءة سيكون، لا شكّ، خطّاء في الكتابة، وخاصّة كتابة التقارير التحليليّة عن الوضع في البلدة، لا السجن، إلى الجهات المسؤولة، التي يفترض بها الإلمام بقواعد اللغة، لتحسن القراءة، ومن ثمّ لتحسن الردّ والتخطيط، عالمة بالإحداثيّات دون أن تتجنّى على نفسها بحساب خطأ يكون خطيئة لن تغتفر.. حتّى وإن ادّعى قسم بنوّته لها، لأنّ البنوّة تستوجب واجبات لا تكون دونها اسماً، ولا تكتمل إلاّ بالالتزام بها سلوكاً..
أذكر من باب تدعيم الكلام لوحة “مركز تحليل تربة ومياه”، في هيمو، على طريق القامشلي، وكلّها أيضاً نكرة.. وأعتقد أن لا حاجة بعد هذه الأمثلة إلى ذكر أخرى.. بل الحاجة تكون ملحاحاً إلى الإجابة عن التساؤلات التالية:
ما بال آرمات المنطقة تجيء نكرة..؟!
هل هذا تمهيد للتنكير قبل الالتقاء بمنكر ونكير..؟! 
إلى متى سيتمّ التوغّل في الخطأ الغلّي اللغويّ..؟!
هل يبقى هذا لغزاً أم أنّه معلوم الإجابة لا يحتاج إشارة استفهام..؟!
هل يكون الرجوع إلى القواعد والالتزام بها، أم يكون العكس الطارئيّ هو الأبقى والأمضى بحسب المبقى والممضى..؟!!!

إنّ عامودا تنتظر رجوعاً إلى القواعد، ليكتمل البناء فيها، حتّى لا تصبح سجينة الخطّائين الذين لا يلمّون بقيمتها الوطنيّة، دون استهتار بها أو تخريب لها..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…