ذكرياتنا والعيد

عبدالعزيز آل زايد 

العيد حينما يهل علينا ويحضر بزينته الفاخرة، فإنه يعني انقضاء عام بأكمله من أعمارنا، العيد حينما يحضر فإنه يذكرنا بمن كانوا معنا في العام الماضي واليوم قد رحلوا عنا، العيد حينما يحل ويطرق علينا أبوابنا فإنه يقول لنا بفمٍ فصيح: “أنا سأعود، فهل أنتم عائدون؟”، اللهم جعلنا من عواده والفائزين به وبخيراته، اللهم آمين.
العيد بوابة للأفراح والذكريات، نتذكر جيدًا طفولتنا وثيابنا الجديدة، والأموال الحلال التي نجبيها من الأهل والأرحام، إنه يوم الغنائم التي تساق للفاتح والمنتصر ولكن دون أن نضرب بسيف أو نطعن برمح، فقط كنا نقول: “عيدكم مبارك، عساكم من عواده”، العيد يذكرنا بالأشياء الجميلة والأشياء الأخرى التي نلقي بها في طي الكتمان، ذكريات التعاسة والألم أيام الصغر، حينما تهوي عصا الجلاد على أقدامنا من أجل أن نحفظ جدول الضرب، أو تلك الأخرى التي تهوي على المؤخرات حينما نخطأ في كتابة الإملاء، وسواها كثير.
هذا هو العيد يعود علينا بالذكريات، هذا هو العيد يعود بطابع غريب عجيب، فهو أول عيد يمر عليّ دون أن يكون لي فيه أب أعايده، أو أم أقبل رأسها، إنه عيد ناقص وحزين بكل المقاييس، لعل الفاقدين أحبتهم وأعزتهم يدركون معي أن هذه الحياة كلما تقدمت بنا تأخذ منا جواهر لم ندرك وجوها وأهميتها الحقيقية إلا بعدما يرحلون للتراب، العيد سعادة ليس في لبس الجديد بل بما يحمل من معنويات مرافقة، كإفراح الصغار، وإشاعة البهجة، وإدخال السرور على قلوبٍ لم نوفق لإدخال السرور عليهم من قبل. 
تزدحم برامج الإعياد وتتنوع: (زكاة الفطر، زيارة الأرحام، التزاور، ونشر الغبطة على كل من نلقاه بإشاعة روح الإبتهاج بالعيد)، العيد يضفي على أيامنا لمسة خاصة، ثم نؤوب إلى كهوفنا الداخلية لندرك أننا نغرق في الحزن، حزن ما مخفي قد ندرك بعض أسبابه وجذوره، لكن الممض أننا نجهل سر ذلك الألم الدفين، فهل حقًا يفرح المحزون والمكلوم بالعيد؟، أم أن الكثير منا يتمثل ما يقوله أبو الطيب المتنبي في داليته الشهيرة:
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
العيد حل الآن وهو فرحة غامرة، فلقد قضي منا شهر كريم، سيختزن منا الذكريات للأعوام المقبلة، لهذا علينا أن نمسح بعض الألم كما تصنع السيارة بزجاجتها الأمامية، ولنصنع لنا ولأحبتنا ذكرى جميلة تستحق أن تعاد؛ فيعود علينا السرور من جديد. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

جوان سلو

“كانت القهوة قد ابتردت في فنجانه عندما رفعه إلى فمه، وارتشف منه رشفة صغيرة. وضع الفنجان وهو يتأمل أمامه، عبر الواجهة الزجاجية الكبيرة. لا شيء يثير الانتباه في ساحة “سعد الله الجابري”، كل ما فيها يشتت الذهن.. وقبل أن تشده البلادة إلى الكسل أمسك بالقلم، وعاود الكتابة من جديد”

يمتد المقهى كحيّزٍ وجودي يأخذ من…

إبراهيم محمود

لا أذكر منذ متى أحلم بزوجيْ حذاء يناسبان رجْلي اللتين لا يفارقهما ناظريَّ ، وبي سخط وقهر وقنوط!

أذكر أن أبي كان يعاني من المشكة نفسها، وهو يتحسر على امتلاك زوجي حذاء يريحان رجليه حين يمشي، ويبقيهما أمامه حين يجلس في مكان ما، ليعرف كل من يراه أنهما يخصانه.

لم أصدقه حين كان يشدد على حرمانه…

ا. د. قاسم المندلاوي

اختُتمت منافسات كأس العالم 2026 ، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا للمرة الأولى في تاريخ البطولة ، بدلًا من 32 منتخبًا ، في تجربة تنظيمية جديدة للاتحاد الدولي لكرة القدم ( فيفا ) وقد شهدت البطولة إقامة 104 مباريات خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو…

كيفهات أسعد
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ في مكانٍ ما،
بعيدا عن أخطاء أبيه.
حزينٌ في مكانٍ ما،
تعيسٌ في مكانٍ ما،
يطمئنّ على أوجاعه كاملة،
ويطمئنّ على الطغاة
الذين دخلوا قلبه مرةً
ثم رحلن،
كعناكبَ سوداء،
أو كنصفِ حوريةٍ ونصفِ ملاك.
ثَمّةَ كائنٌ خمسينيّ
ترك التدخين،
والنساء،
والخبز الأسمر والأبيض،
ترك السكر والنشويات.
ينام بقلب طفل،
ويصحو بهِمّة شيخ.
لم يعد يفرّق
بين الوردة وفنجان القهوة.
لم يعد يلتفت
إلى من انتحرت
بكامل أناقتها،
وبياضها،
وزينتها،
وحُلِيّها،
ومرحها.
في مكان ما،
هناك خمسينيّ
لم يعد…