بالإذن من بنات آوى «قصص قصيرة جداً»

إبراهيم محمود
تفاخُر
أخبر جروٌ ابن آوى أمَّه عن جدته أنها في حكاية لها افتخرت بأصلها، وهي تقول: 
نحن أساساً ننتمي إلى عالئة ذات حسَب ونسب، لكن مرضاً عضوياً أصابنا، أبقانا بالحجم الذي نعرَف به الآن، واسم ” ابن آوى ” طرأ علينا لهذا السبب.
علَّق ابن آوى الأب:
لا تؤاخذها يا جروي. فنحن كنا هكذا وإلى اليوم .
واستفسر جروه:
ها هو الأسد قريب منا، لماذا لا يأتي على ذكر أصله ويفتخر به ؟
طبطب الأب على رأس صغيره: إنه لا يحتاج إلى كل ذلك.
***
كذب
اقترب ابن آوى وكله نشاط، وهو في أوان تفتح قوته ، من أنثى سال لعابه لمرآها.فأرادت هذه اختباره، وهي تسأله:
أنت أيضاً تعجبني، إنما بم ستدشّن علاقتنا الزوجية مع بعضنا بعضاً؟
رد ابن آوى في الحال:
سآتيك بغزالة كاملة !
جفلت أنثاه، وتراجعت إلى الوراء:
لا يمكن أن نعيش معاً العمرَ كله زوجين أبديين، وها أنت تكذب، لو قلت: أرنب، مثلاً، لكان ذلك ممكناً. ابن آوى يكذب وهو عاشق؟ هذا غير غيرمعقول في عرْف بنات آوى ؟!
***
مقارنة
أخير ابن آوى مجموعته بوجوب الاستعداد للانتقال إلى جهة بعيدة. لأن حرباً كبيرة سقوم بين الضباع والذئاب قريباً، ولن نسلم من مخاطر هذه الحرب .
لكن جروه أخبره قائلاً:
انظر يا والدي هناك. الثعلب وضع رجْلاً على رجل، وهو يغنّي . فلماذا لا نتصرف مثله ؟
هز الوالد رأسه وقال:
وكيف لأحدنا أن يكون مثله؟ إنه ثعلب. والواحد منا ابن آوى، إنه يستطيع النوم في وكر ذئب دون أن يمسسْه سوء .
***
المديح عن بعد
استدعى الأسد ابن آوى ، وحين مَثل بين يديه، سأله متضايقاً:
لماذا لا تحضر مجلسنا يا ابن آوى ؟
فرد ابن آوى، وهو يطأطىء رأسه: وكيف لكائن ضعيف الأثر مثلي أن يشارك أمثالكم المجلسَ؟
هز الأسد رأسه، وقال له: 
زدني وضوحاً !
رد في الحال:
أنت كبيرنا، ونحن معشر بنات آوى نعرف حدودنا، نمدح الأكبر منا، ونكون على مبعدة عنه، لئلا نثير غضبهم، وكل كبير منكم نقدم له ولاء الطاعة .
***

تراجُع
أبصر ابن آوى غزالاً صغيراً. كان جائعاً، فاشتهى لحمه، وجمع شتات قوته، وهو يقترب منه ببطء ودون إحداث أي جلبة .
قلصت المسافة بينهما كثيراً. كان حجم الغزال الصغير ملحوظاً أكبر من حجم ابن آوى. وهو على مبعدة أمتار منه، تراجع إلى الوراء، هو يقول:
أن أسلم بجلدي أفضل من أن أدخل معركة لم يعشها أيٌّ من جماعتنا، وتكون فيها نهايتي !
***
القراءة والكتابة
قال ابن آوى، وهو يتنهد ويتأوه:
آه لو تعلمت القراءة والكتابة، لكتبت التاريخ الطويل والعريق لجماعتنا نحن بنات آوى.
ولأثرت حسد كل الحيوانات  وغيرتها من حولنا. ولجعلت من مذكرات ابن آوى تحفة زمانها..و..
سمعته أمه وهي قريبة منه، وأشفقت عليه، وما كان يستسرسل فيه، وقالت له:
تاريخنا مكتوب داخلنا يا صغيري. ولو تحقق لك ما تريد. لما عدت ابن آوى. فانتبه قبل فوات الأوان.
***
كلمة حب
قالت أنثى ابن آوى لشريك حياتها المعمّر، بعينين لا تخفيان عتاباً:
أتعرف يا زوجي العزيز. لقد أنجبنا أجيالاً من بنات آوى. ولكم اشتهيتُ أن أسمع منك، ولو مرة واحدة عبارة ” أحبك ” .
أمعن ابن آوى النظر إلى زوجته ، وعلَّق قائلاً:
نحن نحب بكامل أجسامنا. وإذا قلت لك تلك العبارة، لاقتصرتْ على اللسان، كما يفعل الدابون على اثنتين. حبنا لا يحتاج إلى ترجمان. هل أدركته ؟
***
الضمير
تملَّك ابن آوى خوفٌ كبير، وهو يسمع جروه الذي كبر سريعاً، وهو يغنّي:
أنا ابن آوى
تعرفه البراري
تعرفه الجبال
تعرفه الغابات
أنا ابن آوى أنا ..
اقترب منه، ووبَّخه بقوله:
هذا سيء جداً.. سيء سيء.. ليس هناك من بيننا من يشير إلى نفسه هكذا..لا أحد منا يستخدم لا ضمير” أنا ” أو ” نحن ” أو ” أنت ” أو ” هو ” في الحقيقة..إنها ضمائر تفرّقنا.. نحن نعيش معاً دائماً، ونشعر ببعضنا بعضاً، وإن تباعدنا. أي ضمير، إساءة إلى جماعتنا، وتفريق بين أعضائها.
***
مرآة
أبصر ابن آوى صورته في الماء. استغرب من رؤيته صورة كهذه. أعجبته الصورة. كانت صافية تشبهه تماماً. نسي أنه ورد الماء لكي يشرب.
فجأة أبصر ظلاً يتحرك تحت الماء ويقترب منه. 
اضطربت صورته في الماء، وكادت أن تختفي جرّاء اقتراب صورة ظلية أخرى.
تنبّه في اللحظة الأخيرة إلى وجود خطر كان أن يودي به.
كان تمساحاً.
كان ابن آوى يلهث مرعوباً.
أإلى هذه الدرجة تنسي الصورة صاحبَها وتعرضه للهلاك ؟
***
تعاطف
نظر كلٌّ من ابن آوى وزوجته إلى بعضهما بعضاً، وملؤهما سعادة .
لقد عاشا في بيئات كثيرة.
لقد عبَر سهوباً وودياناً.
لقد تعرضا لمخاطر كثيرة.
وقد خلَّفاً أجيالاً كثيرة من بنات آوى.
تبادلا الشم وتماسحا حباً غريزياً خاصاً بهما.
قال ابن آوى لأنثاه :
لقد عشنا طوال هذه السنين مخلصين لأصلنا، ولم يسىء أي من جرائنا إلى سمعتنا. 
يا لها من تربية صالحة !
تمسحت زوجته به، وهي تزيده شمشمة، وتقول:
ذلك أكسبنا عمراً أطول. وفي انتظارنا ولادات أخرى.
وصمتا وهم يطيلان النظر في بعضهما بعضاً .
***
بيوتنا معنا
سأل ابن آوى اليافع أمه:
هلّا أخبرتني يا أماه لماذا ننتقل من مكان إلى آخر، ولا نسنقر في مكان محدد؟
ردت عليه أمه:
بيوتنا معنا يا صغيري. وهكذا سجّل علينا الانتقال الدائم.
وماذا لو استقرينا في مكان محدد ؟
سأل الصغير.
أجابت الأم سريعاً وهي تدفعه أمامها:
لن نعود بنات آوى بعدها!
***
رغبة
رغب ابن آوى أن يتسلى مع جرائه وقد كبروا قليلاً.
قال:
ليختر كل منكم ما يشاء أن يكون .
جروٌ رغب أن يكون ذئباً، وآخر أن يكون نمراً، وثالث أن يكون فيلاً، ورابع أن يكون طائر عقاب…جرو واحد كانت رغبته مختلفة: أن يكون ابن آوى، كما هم آباؤه وأجداده .
عانق ابن آوى صغيره الذي اختار أن يكون ابن آوى كسلالته، وقال:
لقد نظر، وفكَّر، وهو ابن آوى، وحدد خيارَه وهو ابن آوى، أما أنتم فقد أسأتم الخيارَ. في المستقبل سوف يكون قائد مجموعتكم، حتى تعيشوا كبنات آوى .. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…