مع الاعتذار للحجل «قصص قصيرة جداً»

 
إبراهيم محمود

مأساة
كانت الحجلة الجدة تجثم على صخرة في سفح جبل عال، وهي  تغبغب بشجن.
اقتربت منها حفيدتها، وسألتها:
جدة، في صوتك شجن دفين ؟
ردت بنبرة حزن:
وأكثر منه. مأساتنا كبيرة يا حفيدتي ذات الريش اللامع. في كل سنة تحدث مجزرة. يرتكبها بحقنا من لا يدَّخر جهداً، في صيدنا، والاتجار واللهو بنا، وذبحنا عندما يريد، والأسوأ، حين ينسِب إلينا أسوأ الصفات، مسقطاً علينا عيبه الكبير، وهو أننا نخون بعضناً بعضاً. أليست هذه مأساة كبرى؟
***
المكان ليس آمناً
قالت الحجلة الزوجة لزوجها: هذا المكان لم يعد آمناً!
رد الزوج: وهل من مكان آمن لنا نحن الحجلان، وليس فيه هذا الذي يتهدَّدنا في مختلف الأوقات؟
أعقبت الزوجة: وهذه السفاسف التي يردّدها عنا هنا وهناك؟
أوضح الزوج قائلاً: إنها مشكلته دائماً، والحل الوحيد، هو أن نعيش حجلاً ونتحرك في المكان حجلاً، وما يقال عنا، لا ينسينا أمره. هكذا نعيش في سعادة يا حجلتي الوفية !
***
الحجل كاتباً
أبصر حجل كبيراً حجلاً أصغر منه، وهو يحمل قلماً ودفتراً، وينظر حوله .
سأله مستفسراً:
ماذا حل بك يا حجل؟
رد الحجل بزهو:
لقد قطعت علي سلسلة أفكاري. دعني أكتب. أنا الحجل الكاتب !
طرح عليه الآخر سؤالاً: وكيف تصبح كاتباً ؟
رد عليه سريعاً:
أنا كحجل، أصف جمال هذا الجبل، وهذه النباتات والصخور التي نعيش في وسطها ..
ساله الآخر مجدداً:
هكذا تكون كاتباً فقط ؟
أجاب الحجل الكاتب:
فقط هكذا.
لم يردْ مناقشته. إنما ابتعد عنه.
بعد لحظات انقض طائر من عل ٍ. أبصره الحجل الكاتب، وفر مذعوراً مختبئاً تحت صخرة. بينما الطائر انقض على حجل غافل عما يجري ومضى به بعيداً.
التمت الحجلان في المكان، وبدأ الإحصاء.. بالكاد ظهر الحجل الكاتب وهو يلهث. أبصره مَن ناقشه قبل قليل، وسخر منه وهو يقول:
أعرفتَ لماذا سألتك عن نوع الكتابة، ومهمة الكاتب؟ كان عليك أن تنبه معشرَ الحجل جماعتك، لتستحق اسم الحجل الكاتب. وليس أن تختبىء وراء صخرة. الجبن والكتابة لا يترافقان. وإذا شاهدناك مرة أخرى ومعك قلم ودفتر، سننتف ريشك ونرمي بك إلى أسفل الوادي !
***
ألم
وقع حجل في فخ الصياد . وبدأ يغبغب .
اقترب منه حجل آخر. والواقع في الفخ يصيح أن ابتعد دون جدوى .
وقع الآخر بدوره في الفخ.
الأول غضب وسخط عليه كثيراً:
كان عليك أن تسمعني. حجل واحد وليس اثنين .
رد الآخر: عرفتُ ذلك جيداً، إنما لئلا يقول عدونا هذا، أن ليس للحجل من يواسيه، ويشاركه في ألمه، حتى في موت محقق، كما يحصل معه وأمثاله .
***
وطن
ثمة حجل يغني، وكانت كلمة الجبل تتكرر معه في كل جملة يتهجاها.
هذا التكرار لفت سمْع حجل قريب منه، وهو بادي الانزعاج من تصرفه هذا.
أوقفه بإشارة حجلية منه:
هكذا تسمّي غناء. ولا نسمع سوى كلمة ” الجبل “. أي متعة في غناء سطحي كهذا؟
هز الحجل الآخر رأسه وقال:
كنت أغني عن الوطن !
سأل الحجل الآخر بتعجب: 
وطن، وفي كلمة واحدة تقريباً ؟
أوضح الآخر قائلاً:
في كل مرة مرة، يختلف المعنى، يختلف الشعور، كما هو اسم الوطن. المهم ما تقوله أنت، وتسمّيه أنت هو الأساس. املأ الكلمة نفسها بإحساس مختلف، لا تعود هي نفسها. جرّب ترَ!
***
جهات أربع
أعلم كبير الحجلان أفراد جماعته أن هناك خطراً يتزايد ضدهم، وأن لا بد من المزيد من اليقظة، لئلا يتعرض أي حجل لأذى، أو منعاً لتسلل أي عدو خارجي إلى منطقتهم .
جرى التشاور حول وضع أفضل خطة لهذا الغرض.
أن يجري تعيين حجل في كل جهة، فتكون لدينا أربع جهات، وهي تخضع للمراقبة الشديدة.
وعلَّق كبير الحجلان:
النظر في الجهات الأربع يسمح لنا بأن نسيطر على حدودنا كاملة، ونحن في تمام اليقظة، وحينها نستطيع العمل والنوم دون خوف من أي عدو يريد إيقاع الأذى بنا .
***
عين ساهرة
أُعلِن عن مناسبة سنوية للحجلان، يرقصون فيها ويغنّون.
في التوقيت المذكور، جمعهم مكان واحد، وهم في طرب كبير، ونشوة تغمرهم .
انخرطوا في حلقات رقص وغناء، وقد تردد صوتهم في الجوار.
ثمة حجل كان في المنتصف، واقف على صخرة عالية، يدور وينظر في كل الجهات.
لقد أشار كبير الحجلان إليه، قبل البدء بنشاطهم السنوي، قائلاً:
لا بد أن هناك من يكون أحدٌ ما يحرس الآخرين، تجنباً لوقوع ما لا يسرّ
***
رفع الفخ
عندما وقع أحد الحجلان في الفخ. تسارعوا إليه، وقد توزعوا في جهاته.
كان ذلك مقترح كبير الحجلان:
لنرفع الفخ، كلٌّ من جهته إلى أعلى مرتفع، لا يستطيع الصياد الماكر بلوغه .
هناك سنحاول فك أسر حجلنا، ولن ينال منا ذلك الصياد الماكر بعد ذلك بسهولة.
***
نسْك
رغب أحد الحجلان في أن يصبح ناسكاً.
اعتزل أفراد جماعته، وهو يمضي إلى جوار صخرة ينظر إلى السماء ملياً ودون حراك.
لاحظه كبير الحجلان، مستغرباً، فمضى إليه وهو يسأله:
ماالذي عزلك عنا نحن الحجلان، هل من علَّة معينة ؟
رد الحجل بتثاقل:
لا أبداً، إنما أردت أن أتنسك، كما تراني أتأمل السماء !
دفعه كبير الحجلان بطرف جناحه، وهو يقول له:
ليس بيننا من تنسَّك لتتنسك أنت. ثم ألا تتنبه يا غبي، وأنت تنظر في السماء، والخطر يأتيك من الأسفل ؟ أهكذا يعلّمك التنسك؟
***
موت
سأل حجل صغير حجلاً كبيراً؟
ما هو الموت ؟
أخافه سؤاله، لكنه تماسك نفسهن وقال:
-هو ألا يستطيع الحجل التحرك كلياً .
-وبعدها؟
-لن يعود حجلاً !
-وماذا يحل به؟
-سنرمي بجسمه إلى الأسفل، يتحلل هناك، ستصعد روحه إلى السماء على هيئة حجل .
أفرحه الجواب لكبير الحجلان، وهو يشاهد في السماء أجساماً كثيرة بأشكال حجلان.
***
لا وصية 
شعر كبير الحجلان بدبيب ضعف خاص في جسمه.
شعور من نوع خاص غمر الحجلان فتحلقوا حوله .
الغريزة الخاصة للحجلان أفصحت عن أن نهاية كبير الحجلان قرَّبت .
كان الصمت هو الوحيد المسيطر على المكان .
لم يعلّق كبير الحجلان شيئاً، إنما قال فقط:
لا وصية لدي. هكذا كنا، وهكذا ستكونون. إنما اجعلوا مستقبلكم أمامكم دائماً، وأنتم خير من تستطيعون تعيين من يمكنه أن يكون كبيركم .
أغمض عينيه بعد ذلك. ودفِع به نحو أسفل الوادي. خلال دقائق برز كبير حجلان جديد. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…