إطلالةٌ في ديوانِ (النَّبضُ المُرهَقُ) للشاعرةِ الكرديَّةِ السوريَّةِ نَدوة يُونس .

نَـصـر مُـحَـمَّـد / ألـمـانـيـا . 

 النَّبضُ المُرهَقُ للشاعرةُ ندوة يُونس هو ديوانُها الشعريُّ الأوَّلُ الصادرُ عن مطبعة ديكاني _ السليمانية في كردستان العراق ، في طبعته الأولى لسنة 2021 ، وقد توزَّعَتْ نصوصُهُ الـ (67) على امتداد (104) صفحاتٍ ، المُراجعةُ و التَّدقيقُ للشَّاعرِ محمود بريمجة .
تتراوحُ القصائِدُ بينٕ الطولِ والقِصَرِ ، و مُتنوِّعةٌ من حيثُ شكلِها الشِّعريِّ ، فمنها ما يُمكنُ اعتبارُهُ قصيدةَ نثرٍ ، ومنهُ ما يدخُلُ حَيِّزَ الخَواطرِ الشِّعريَّةِ .
تُعكِسُ الشاعرةُ ندوة يُونس في ديوانها ( النَّبضُ المُرهَقُ ) 
مساراتٍ عديدةً منَ الحُزنِ والشقاءِ ، و الآلامِ و الهُمومِ ، يختلطُ فيها التطلُّعُ القوميُّ والسياسيُّ . 
تقول في قصيدةِ نوروز :
كُرديٌّ .. شاءَتِ الأقدارُ
على جبهتِهِ الشَّمسُ 
في يَدَيْهِ نارٌ
والقلبُ ضِرامُ 
كُرديٌّ .. كمْ غُروبٍ وغُروبٍ مرَّ
بعدَها فجرٌ أضاءَ 
وإشراقٌ تسامى 
حُرٌّ صرختُهُ تستفِزُّ النَّبضَ
يصهرُ العِرقُ
والدمُ منْ قَهرٍ فوَّارٍ
منذُ الأزَلِ 
ما انطفأتْ نارٌ
ما خمدَتْ ثورةٌ 
كاوا شُعلتُها 
العَروسُ آذارُ
ماتَ الدَّهَّاقُ 
ماتَ السَّفَّاكُ
ماتَ الكيمياوي 
حلپچةُ تحضُنُ الشَّمسَ 
أختُها الفجرُ 
آمَدُ تمُدُّ في سُورِها 
طَلاسِمَ الأجدادِ
و عُنوانَ الوُجودِ
صرخةٌ تمتدُّ
 
تنتفِضُ قامشلو 
لها أجنحةٌ تطيرُ ودمٌ يُسالُ
ترتقي المِحنةُ في تعبٍ 
الشَّعبُ توَّاقٌ
ما نامَ حُرٌّ 
كيفَ ينامُ وحقُّهُ مسلوبُ ؟! 
في نبضِها المُرهقِ تُقدِّمُ الشاعرةُ ندوة يُونس تجلِّياتٍ عن انعكاسٍ لواقعِها المُنفِّرِ حيناً ، والمُشوِّقِ حيناً آخرَ ، قد عاشَتْها بكُلِّ تفاصيلِهِ وأثَّرَتْ فيها أحداثُهُ .
تقولُ في قصيدة جُرحٌ :
أحمِلُ حُزني قصيدةً
أحمِلُ طُفولتي دمعةً 
أحمِلُ جُرحي ناصِعاً 
أضحى عُنواناً
لِكُلِّ الآلامِ في المدى 
لا شمعةَ تُضيءُ
لا دربَ يُؤَدِّي 
و لا خارِطةَ تدُلُّ
طِفلُ القصيدةِ ضائِعٌ
حقيبةُ المدرسةِ ضائِعةٌ
الأقلامُ المُلوَّنةُ ضائِعةٌ 
كُرَّاسةُ الرَّسمِ ضائِعةٌ
والقلبُ الصَّغيرُ بريءٌ
يجهَلُ الحِقدَ ولُغةَ الطَّعنِ 
وسِهامَ الغَدرِ
لا يتعاطى حشيشةَ القتلِ وعُقَدَ العُنصُريَّةِ 
وهذا الجُرحُ أسطوريٌّ لا يندمِلُ
واسعٌ طُولاً و عَرضاً
كيفَ لِطُفولةٍ أنْ تتجاوزَ هذا المُندَلِعَ
أنْ تتلمَّسَ السَّلامَ 
وتتنفَّسَ الحُرِّيَّةَ 
كيفَ تُحاوِرُ زهرةً 
حينَ تتحدَّثُ الحُبَّ 
وتكتُبَ رِسالةً ؟ 
تتحوَّلُ بينَ الأنامِلِ 
جَداولَ و ياسميناً 
عَصافيرَ وشُموساً
أمْ لا زالَ الجُرحُ يفتِكُ ؟ 
لا يستريحُ 
يترُكُنا موتى على أرصِفةِ الحَياةِ 
وفي قصيدةِ قُنوطٌ ، تعودُ الشاعرةُ ندوة يُونس إلى سردِ ملحمتِها الحزينةِ التي تترُكُ في قارئِها جُرحاً لا يندَمِلُ ، فتقولُ : 
لا تتأمَّلْ كثيراً في الأقاصي 
أنتَ تفترِشُ اليَبابَ 
تحرُثُ السَّرابَ 
تلتقِطُ حفنةَ أوراقٍ
غادرَتْها الحَياةُ 
الرِّيحُ تأخُذُها بعيداً 
هُناكَ في النِّسيانِ المُؤكَّدِ
تصفَرُّ الأيَّامُ 
تلوي عُنقَها الآلامُ 
لا تتأمَّلْ كثيراً 
قُمْ … تدثَّرْ بأيَّامِكَ
وعِشْ بحَماقةِ العُشَّاقِ 
لا تنتظِرْ شمساً يحكُمُها الغِيابُ 
وتقبَّلِ الطَّعنةَ بجَسارةِ الأنقِياءِ
في الدِّيوانِ صُورٌ شِعريَّةٌ جميلةٌ ، يتجلَّى فيها تأثيرُ الحُبِّ والعِشقِ في المُتخيَّلِ الشِّعري ، فتقولُ في قصيدة أبجديَّةٌ : 
يُرتِّبُ أبجديَّةَ الصَّباحِ
و أرتِّبُ أبجديَّةَ الحُبِّ 
يشُعُّ الشوقُ 
يلبسُني الحَنينُ
البلاغةُ في حيرةِ التَّعبيرِ
الوردُ يُوقِظُ روحي 
يُعَطِّرُ أنفاسي 
أنبُضُ بكَ فتُحاصِرُني 
تأخُذُني إلى مَنفاكَ 
تشُدُّني إلى تاريخِكَ 
تجمعُني بكَ 
وتُحيِي النَّشيدَ
أتزيَّنُ بكَ 
ولا ألمَحُ سِواكَ
الشاعرةُ ندوة يُونس تُرافِقُ الحرفَ والقلمَ ، لِتكتُبَ للفرحِ والشَّجَنِ ، تُصافِحِ الورقَ بينَ بهجةٍ وألمٍ ، في رِحابِ عِشْقِها للأرضِ ، للإنسانِ ، للوطنِ ، تأخُذُنا عِباراتُها نحوَ الأعماقِ ، نلمَسُ الوَجَعَ والأمَلَ ، منْ إحساسِها ننهلُ الحَنينَ والأشواقَ ، تقولُ في قصيدةِ ( في اللَّهفةِ ) :
دمعٌ و شوقٌ 
منْ بنفسَجٍ
حُبٌّ و حَنينٌ 
منْ ياسمينٍ مزروعٍ 
على شُرفةِ الرُّوحِ
دربُ العِشقِ مسافةٌ 
لا تنتهي 
لا تنتظِرُ
اللَّهفةُ تِلكَ
الإلهامُ ذاكَ 
الذَّاكرةُ تِلكَ 
مُمتلئةٌ قمحاً 
غَيثاً و طِيباً 
في أرضِ النُّبوءاتِ الأولى
المرأةُ في العادة تستحي منْ أنْ تعترفَ بمشاعرِها ، لكنَّها عندَ وسيلةٍ لا طقسَ مُحرَّمَ في البوحِ بالعِشقِ حتَّى أنَّهُ حقٌّ تحتفي بهِ في قصائِدَ عديدةٍ ، كما في قصائدِ : موعدٌ ، سآتي إليكَ ، هكذا أنا ، و في قصيدةٍ تقولُ :
اليومَ أخلفتُ صَلاتي 
كنتُ قابَ قوسَينِ أو أدنى 
تلعثَمَتْ تِلاوتي 
و أنتَ في المِيقاتِ 
حضرْتَ 
تقرأ تسابيحَكَ 
تتحلَّى ضِياءً
وحينَ اعتِكافي 
تحضِنُ روحي بسَلامٍ 
تستدرجُني الفُصولُ 
و تصعَدُ بي سماءً
و ينشُدُ بي طيرٌ
وأخالُني في سُكرِكَ
بدأتَ الحَياةَ
تقولُ الشاعرةُ ندوة يُونس في قصيدتِها الأخيرةِ بعُنوان أناي :
كلماتي تقرؤُني 
أنا حُبٌّ 
حَنينٌ 
شوقٌ 
هذا الدَّفقُ منْ دمي 
يكتُبُني 
أنا ندوةُ 
الخيرُ طَبعي 
في ظِلِّ البلاغةِ
تبتهِلُ كلماتي 
هُنا الكُنوزُ 
تختبئُ 
هُنا الحَبَقُ 
كلَّما هزَزْتُها تعبَقُ
هذهِ القصيدةُ تتَّسِمُ بقُدرةٍ كبيرةٍ على رسمِ تفاصيلَ للتَّجربةِ الذاتيَّةِ ، يدرِكُها كلُّ مَنْ تمعَّنَ في الألفاظِ ، تِلكَ التي تُعتبرُ وِعاءً للمعنى ، كما قالَ ابنُ طَباطِبا ( اللَّفظُ جسمٌ و روحُهُ المعنى ) 
إنَّها تلوذُ بشعرِها ، بحرفِها و ما تخطُّهُ ، لِتكتشِفَ عنْ دواخِلِ دواخِلِها ، و تُعيدُ النُّورَ إلى صُبحِها فتتوهَّجُ روحُها ، إنها شاعرةٌ لا تتعارضُ معَ ذاتِها الشاعرةِ ، ممَّا يجعلُنا نفهمُ قوَّةَ انشدادِها إلى الـ ( الأنا ) .
و أخيراً ، تظلُّ قِراءَتي المُتواضِعةَ لـ ( النَّبضُ المُرهَقُ ) قِراءةَ عاشِقٍ للشِّعرِ ، أحببتُ أنْ ألقِيَ منْ خلالِها الضوءَ على جُهدٍ جميلٍ بُذِلَ ، و عملٍ شِعريٍّ جديدٍ لذاتٍ شاعرةٍ .
أتمنَّى أنْ تزدادَ شاعرتُنا ألَقاً و إبداعاً ، و تسلُكَ دربَها إلى إبداعاتٍ جديدةٍ في قادمِ الأيَّامِ .

الشاعرة الكردية السورية ندوة يونس 
تولد الحسكة 18/4/1977
بدأت الكتابة منذ المرحلة الابتدائية،عملت مدرسة في ثانوية و معهد الفنون النسوية بالحسكة 
هاجرت إلى أوربا بعد اندلاع الحرب السورية،
تقيم في Peine تابعة لمدينة هانوفر الألمانية،تتقن الكردية و العربية و الألمانية تعمل مشرفة في روضة الأطفال بهانوفر . 
 لها حضور مميز في الساحة الأدبية و خاصة في فضاءات الكتابة الشعرية و كتابة قصائد الهايكو
 فقد شاركت بعدة نشاطات ومهرجانات مركز البارزاني الثقافي في هانوفر،و احييت امسيات شعرية بمناسبة اعياد الـ نوروز،
تنشر في الصحف الكردية و العربية،وفي صفحتها الخاصة
 لها نشاط مميز على منصات التواصل الأجتماعي
تمَّ طباعة مجموعتها الشعرية المعنونة بـ ( الـنَّـبـضُ الـمُـرهَـقُ) تناولتُ فيها عدة قضايا إنسانية و وجدانية كحبّ الوطن و حبّ الوالدَين ، و قضية الحبّ عُموماً ، و ما يجول في النفس الإنسانية من مشاعر جميلة ، تجعله متفاعلاً مع الحياة ، متفائلاً بالعيش فيها .
النبض المرهق من باكورة أعمالها الأدبية المطبوعة، طبع بمطبعة ديكان / أقليم كردستان العراق _السليمانية). 
لها كتابين قيد النشر والطباعة 
بالأظافة إلى كتابين ألكترونين خاص بنصوص الهايكو 
في المدرسة الرجبية
للأستاذ محمود الرجبي .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…

ا. د. قاسم المندلاوي

قبل الدخول إلى صلب الموضوع، الموت والخزي والعار ومزبلة التاريخ لطغاة تركيا وسوريا الظالمين الإرهابيين، الذين لم يكتفوا ولم يشبعوا من قتل الأبرياء، بقيادة شيخ الإرهاب العالمي أردوغان وتلميذه الإرهابي أحمد الجولاني، من سفك دماء الأبرياء من الكورد واليهود والأرمن والآشوريين والدروز والعلويين والمسيحيين والعرب وغيرهم.<br...

صبحي دقوري

ليس سليم بركات من أولئك الكتّاب الذين يُقاسون بموازين الذوق الشائع، ولا ممن تُفهم كتابتهم على عجل، ولا ممن يصلحون للتداول السريع أو القراءة العابرة. والحق أن من يطلب من نصوصه السلاسة، أو يتذرّع بغموضها، أو يتهمها بالنخبوية، إنما يكشف – من حيث لا يدري – عن عجز في أداة التلقي،…