مفكّرة أمّي حين تنطق

نارين عمر

   تتذكّرُ كيف كانت تعجّ رأس والديها بأسئلتها الممزوجة بالثّرثرة وهي تشاهد  الشريط الهاضم لحفلة زفافهما: 
” لم لا تعانق صورتها وصورة إخوتها بهجة الاحتفال؟ لماذا لم تظهر هي في الشّريط المصوّر كغيرها من المدعوين والحاضرين؟ لماذا لم تتمتّع بلذّة الرّقص وبهجة الاحتفال، وتنعم بأطايب الطّعام والشّراب؟ وتزداد ثورة وفورة أعصاب حين يأتي ردّهما كسهم يصيب الهدف: 
“كنتِ تمارسين طقوس الّلعب مع رفاق الحارة، ولم نرد اختراق طقوسك”. فتبدأ بإنشاد تراتيل بكائها ونحيبها، ما أجبر الوالدين على الاستعانة بالمصوّر ليتفنّن في أخيلة موهبته، ويخرق صورتها في الشّريط المصوّر، ويدعها تبرق قاعة الحفل رقصاً وابتهاجاً.
     ما عادت الطّفلة صغيرة، نفحات الصّبا تزنّر كيانها بالغنج والدّلال، تكلّلها بتاج الأميرة في كرنفال الرّبيع. كبرت الطّفلة وبراعم الخجل تثمر على شفتيها وجبينِها وهي تهزّ الرّأس: 
“يا للطّفولة وعالمها! يا للطّفل وأعاجيب تخيّلاته! لم كنت أفعل ما أفعله؟ كيف كانت ثريّا مفكّرتي تتبعثر فوق ثرى انتفاضتي وثورتي؟ ولماذا كنت أبحر في مزاح والديّ وكأنّه الحقيقة المطلقة؟”
   كلمات ابنتي الصّبيّة المنثورة في صخب صديقاتها المعبّأ بالضّحكات والابتسامات كانت توقظ فيّ طيور أيّام تتخطّى أعوامها عتبَة الأربعين وصناديق أمّي البديلة عن الخزائن ترفرف حولي في زمن يكرّر ذاته كما تكرّر البضائع التّالفة، فتولد الشّباب المتجدّد. 
   تصدح بتغريدها في مسمعيّ أمّي كلّ يوم والطّفولة كابنتي تفترش لي أخيلة تسَع الزّمن والزّمان:
“أمّي! ما أزالُ أتذكّر يوم زفافك والفرَس الأبيض يتمختر طرباً مع بهاء وشموخ أبي الذي ينطّ من الفَرَس كحمامة تتماوج الفرح نهراً، يحتويك كعصفورة على جناحيه، ثمّ يأمر الفرَس بالانثناء وأداء مراسم الاستقبال، وبحركة لا يتقنها إلا فارس الفرسان ينصبك أميرة على القلب والخاطر والفرَس الأكثر ابتهاجاً يزيد من جرعات تمختره والنّاس المحتفلون يسيرون خلفهم يرقصون، ويغنّون.
كانت تبتسم لي وهي تبقي دموعها النّاشفة أصلاً في قاع حلْقها: “نعم حبيبتي، كم أنت ذكيّة ونبيهة! أنا سعيدة لأنك تتذكّرين تفاصيل ذلك اليوم بدقّة متناهية”. وتظلّ تثني على حديثي الذي أصيب بآفة التّكرار والملل وكأنّها تسمعها لأوّل مرّة وهي تخفي غصّات ألم تكاد تسكت القلب والخاطر.
   كنت أنطلق مع أفق تخيّلاتها دون أن أعلم أنّها تصوّب نحو قلبها وخاطرها بعشرات القنابل التي أراد لها مبتكرها أن تحيي البشَر والكائنات، فأغار عليها بعضهم وبها أبادوا كائنات حيّة وجامدة في غمضة عين. 
نعم، أذكّرها بأبي الذي كان لها الزّوج الحبيب والحبيب الزّوج ولكنّ  الموت الذي سلب القلب والخاطر منذ تشكّله الجنينيّ فاجأهم بشبحه المبكر، فساق عمرها نحو غروب أبديّ المنْبَت والفيضان.
   صناديق أمّي الثّلاثة كانت تشكّل في غرفتِها زاوية قائمة الأضلاع. صندوق تغفو فيه ثيابها المزركشة، بديعة الألوان والأشكال، وأغطية رأس من الكِتّان النّقيّ الأبيض كبياض أحلام طفولتي وابنتي مخصّرة بخرزات ربيعيّة الألوان والأطياف أضربت عن تزيين جسدها وقامتها بها بعد رحيل أبي. صندوق آخر يدفن في عبّه أوراقاً تخصّ الزّوج والعائلة وأسلحة كانت صمّام الأمان للرّجل وإن كان فارساً هيّاباً، بل وصفة من صفات شهامته ورجولته. وحده ذلك الصّندوق المنقوش بهندسة فسيفسائيّة لامس بالي وحسّي، الصّندوق المرصّع جوفاً بسلاسل ذهبيّة متطابقة البناء والبنية، يقال لكلّ قطعة منها ليرة ذهب، تتوسّطها ليرة كبيرة تسمّى في عرف النّساء والشّعراء “واسطة العقْد”.
سلاسل معظم النّساء كانت مقيّدة بحبّات محار متعدّدة الألوان، ليرات أمّي كانت معقودة بالذّهب الخالص لأنّ حبيبها الزّوج كان يهبها في كلّ مناسبة عقداً، ويعزّ عليه ألا تكون من الذّهب كلّها.
شكْلة ذهب مجبولة من محارتين سماويّتين، وأخرى من خلاصةِ الذّهب وثالثتها تزيّن الشَّعر الأسود المتماوج في غرّة تلاطف سواد العينين. ثلاثة مثلها من أشكال الحَلَق، وجموع من الخزامى تروق للأنف فتمنحه الجمال والبهاء.
   الصّناديق لم تكن مجرّد صناديق خشبيّة مرصّعة بأبهى أنواع الزّينة، بل كانت بمثابة هالات تتعطّر بعبق المحبّة والعشق المولّدِين من قلبَيهما اللذين ما يزالان يتدفّقان بأناشيد عشّاق توالدوا وتكاثروا من مدرستيهما البستان والرّوض.
رحل أبي وبقيت الصّناديق مكاحل عطر تسقي ذاكرة أمّي بثيابه وقدّاحته النّاريّة وعلبة دخانه التي ما تزال تتنفّس الشّباب والعنفوان بها تعطّر مسامات حنينها إليه بنسائم عطفه ودفء حنانه .  رحلت أمّي دُفِنَت بعدها الصّناديق، ولم نعد نتلامسها إلا  كسراب في رمضاء الخاطر والنّفس.
……………………………………..
*- كانت هذه القصّة من القصص الفائزة بمسابقة الأديبة رولا حسينات للقصّة القصيرة التي أقامها الكيان الأدبي وجُمِعت في كتاب ورقيّ بعنان “حواتيت حواء” عام 2017
* القصّة منشورة في المجموعة القصصية التي طبعت وصدرت هذا العام في دار النخبة للطباعة والنشر في القاهرة/ مصر

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خوشناف سليمان

الدبكة عند الكرد ترفاً فنياً. ام فقرة ترفيهية تسبق الطعام أو تعقب الاحتفالات. ام هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالوجود الكردي نفسه. فمن النادر أن نجد شعباً حافظ على الرقص الجماعي بهذا العمق و بهذا الحضور المتواصل في مختلف مراحل الحياة كما فعل الكرد. و كأن الجسد الكردي تعلم منذ أزمنة بعيدة….

إبراهيم محمود

 

في التاريخ الذي لا يغفل عنا

التاريخ الذي يُكتَب، وإن كان ينتسب إلى ما قبله، ليُصبِح هو نفسه، من اللحظة التي تُسطّر كلمته، داخلاً في خانة الماضي، لا يعني ما كان، ولمن كان في الصميم في شيء ماضياً. لأن أيّاً من هؤلاء، وهو ميْت غير قادر على قراءته أو مناقشته، وإن كان عجينتَه وخميرته، كما…

صدر حديثاً عن دار TASQ للنشر كتاب “يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين” للكاتب إبراهيم اليوسف، في عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في كردستان سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية…

عبدالجابر حبيب

النبض

ارتفعت أسعار المحروقات، فأطفأت الحارات مولداتها. خرج الفقراء إلى الشوارع يحملون ظلام بيوتهم وهتاف أطفالهم. أمام الكاميرات تكلم رجلٌ بقلبٍ مثقلٍ بالجوع؛ صفق له الواقفون طويلاً. في المساء، دخل غرفة العمليات. طوال الليل ظلّت المدينة تراقب نشرات الأسعار.

********

خصومة

كدّسوا الملايين في الخزائن، تركوا المدينة تتصبب عرقاً. تمددت الأسلاك إلى بيوت الأغنياء، انطفأت مصابيح الفقراء. عند…