ميكانيزم الكتابة

هند زيتوني| سوريا 

ربّما تنام وأنت تحلم بأنك ستصبح شاعراً مرموقاً، أو كاتباً مشهوراً، تبيع ملايين الكتب في أفخم الصالات. تقيم المعارض وتلاحقك عدسات الصحفيين والباباراتسي، ترتدي نظارتك السوداء خجلاً من المعجبين والمعجبات. تتحول كتبك لأفلام عالمية ومسلسلات محلية. تعيد عشرات المرات ما سوف تقوله على شاشات التلفاز. حيث تستقر الكاميرا على وجهك وحين تشاهد نفسك للمرة الأولى، تسقطُ مغشياً عليك من الصدمة.
قد تصبح ثرياً، من المشاهير، وتشتري شقةً في جزر المالديف، وتتزوج حسناء لها مؤخرة برازيلية وثديان عاجيان. ثم تستيقظ لترى بقعةً بيضاء على سريرك، هل كنت تبكي من الفرح أم هي أورجازم الكتابة؟ 
تعود وتسألني لماذا نكتب؟
 نكتب في البداية لنقتل الوحش القابع في أعماقنا. أو لنرتدي ثوب الحرية المؤقت. نكتبُ لنضعَ نهايةً سعيدة للحياة. أو غير متوقعة. 
وقد يكون الشغف لنحمل قلماً وورقة، ندخن سيجارة رخيصة، وقد امتلأنا بالغرور تقول لي فجأةً: “لا أحد يكتب أفضل مني، سأكسّر الدنيا بهذا الكتاب” ثمّ ترى أنني خلفك أقول لك وأنا ابتسم: لا تتفاءل كثيراً ، هناك آلاف الكتاب وجميعهم يحلمون هذا الحلم”.
ولكن لا تتأثر بكلام أحد من الناس، ولا تكن جباناً وتنسحب… اكتب، اكتب، ونل على الأقل شرف المحاولة، فأنت لن تخسر شيئاً. لكن لا تبدأ، ولا تضع أصابعك على لوحة المفاتيح، إلا عندما تمتلئ تماماً بكل الجنون، الشغف، الحزن، الحب القلق، الشك والارتياب، وبأنك ستموت، لو لم تكتب. إن لم تكتب ستُنسى كما يُنسَى الجنود حين تنتهي الحرب.
دعنا إذاً، نحتسِي فنجاناً من القهوة ونراقب سرباً من الطيور، بينما نحاول أن نكتب سطراً واحداً لعلنا نخرج بحكمة من هذا الوجود، هذا العبث الدموي، والديجاڤو البائس الذي يحيط بنا كل يوم. 
الكتابة هي الشيء الوحيد الذي نمارسه ليغسلنا من الداخل بشيءٍ بين الخيال والحقيقة، ليس بالكذب الكبير ولا بالصدق الهيِّن، وليس بالعجز التامّ ولا القدرة الخارقة، من ورائه صبر عظيم، ومن أمامه جزع أعظم، ليس بإمكاننا تركه، وليس في استطاعتنا احتماله، وعن يمينه عشق، وعن شماله فراق، غَرقَى وناجون، ومَوتَى أحياء، ويائسون حدَّ العجز الأكمل، وراضون حتى الصفح الجميل، بينَ بينَ، لا سَوادٌ قاتم، ولا ضياءٌ هزيل، ولا خصام فنختتم ولا عناق فنفتتح. نحاولُ أن نتحرر من واقعنا ولو بقشةٍ من خيال. 
أنا أرى أنّ كتابة الرواية مثلاً، مثل السباحة في نهرٍ عميق إماّ أن تنجو بمعجزة أو تغرق وتغرق أبطالك معك. الكتابة هي لعبة ماكرة لا تتقنها إلا حين تشحذ قلمك لتكسر روتين الحياة، وتتربع على عرش الجنون. هي تعويذة سترتديها وتعلقها في عنقك إذا ما صادقت الحزن، وأصبحت تستنشق دخانه لتنفثه في سماء الدهشة. عندها ستتحرر أناك لتهرب من جحيم الحياة إلى فردوس الخيال.
عندما نكتب نصبح أقل قساوة من الحديد، وأرقّ من الماء، وأنقى من الغيوم، وأخف من أجنحة الفراشات. لأننا نخلع ثوب الحياة المتسخ، لنرتدي ثوب الحرية فنتقن صناعة الانتحار.
ننتصر على ذاتنا وعلى أكاذيب الحياة، وقوانينها التي وضعتها ثلةٌ من المشعوذين والسحرة الذين يؤمنون بالعيش المؤقت والفرح المؤقت والموت المؤقت، لأن الكتابة حياة دائمة، وفرح دائم وانتصار دائم، اخلع ثوب الحياة المرّتق، وارتدِ ثوب الكتابة الذي لا يهترئ لتتقن صناعة الانتحار في محيط المعاني.
تعطّر بالحروف فعطرها لا يزول حتى ولو غسلها المطر مئات المرات.
في معظم الأحيان نحن نكتب لنبحث عن ذواتنا الخفية التي لا نعرفها، أو لنتطّهر منها. في الكتابة فقط، تسقط الكثير من الأقنعة، نسبر أغوار أعماقنا، ونتعلم شيئاً جديداً لم نكن نتخيله من قبل.
القلم هو ذلك المارد اللعين الذي يبوح بالأسرار ويفضح الحقائق الغريبة والمختبئة في ذواتنا المتعددة الجوانب. فلا تستغرب لو عرّفت عن نفسك بأنك، قديس، وفاسق، طيب وخبيث، ملاك وشيطان، وفيّ وخائن، كل تلك الأنوات قد تجتمع في روح واحدة. اكتب، اكتب لتتحرر من تلك السلاسل.
لا تسألني ما الذي أحاول أن أكتبه بحق الجحيم، وإلا سيضيع من رأسي اللهب. ربما نحن نكتب، لنتخلص من الخوف أو على الأقل لنتعايش معه، لنرتاح قليلاً من فكرة الموت والاحتضار ونحن ننتظر عند المحطة الأخيرة. أو لنخلقَ عالماً موازياً لعالمنا أو مختلفاً عنه كل الاختلاف. قد يكون فاسداً، قذراً أو مضمخاً بالفضيلة. نحارب لأجله، نقتُل أو نُقْتَل، نمارس الحب أو نبذر الكره، أو نشاهد مشهداً مثيراً في فصل من فصول الرواية، ننتحر في نهاية المشهد لنثبت بأننا لا نخشى أحد، نروضُ الحزن الذي يسكننا، وربما نجدُ حبيباً افتراضياً، أو ننجب أطفالاً سعداء، يعيشون على الورق والحبر. نكتبُ لنؤسس أسرةً في بلاد بعيدة ثم نطمئن عليها بالهاتف.
نجمع كتباً لا تصلح للبيع ولا للنشر. ولذا نكتب لنقشرّ الألم المتراكم على جلودنا، ونشعر بعدها بخفة طائر وبرقّة نهرٍ عذب، أو حتى قد نفجر الكلام مثل بركان ثائر، نطعن اللحظات التي تكسو الغيمات الداكنة، ونفصّل أثواباً جديدة للزمن المتآكل، نصادق الأشجار والبحار، ونصطاد أسماك الحظ في بحيرة مجاورة. نقدّس لحظةً عابرة، فنكتب لكل الذين يعشقون القراءة ويحتفظون بالكتب القديمة والجديدة في بيوتهم. لندغدغَ شغفهم وحبهم للقصص والأساطير. ونسقيهم قليلاً من عصير الكتب.
نكتبُ، حين نسافر، عن الحنين ونوستالجيا الأمكنة التي أكلت نصف قلوبنا، عن أشخاص فارقناهم لكنهم ما زالوا يعيشون في قلوبنا. لعلنا نغرق بحيواتٍ أقل تعاسة. نبني جبلاً من الأحلام ونجلسُ على قمته، نفكر برقمٍ جديد لا يمكن أن يجزأه أحد، نغلق كتاب حياتنا المليء بالدموع قبل أن تأخذه يدٌ غريبة لتحرقه ويصبح رماداً. 
ما زلت ألاحق إلهامي بمسدس كاتم للصوت، لأنجو بشيء من الخرافات والقصص الغريبة التي لم يكتشفها أحد. عليّ أن أبقى متوجساً ولا ألتفت إلى الخلف، كي لا يصل الذي يلاحقني وينزع مني الفكرة، لم آخذ حياتي على محمل الجدّ، ولذا كنت أصنع منها ثياباً مضحكة، وأبقى أنا المهرّج الوحيد خارج السيرك.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…