التملُّك التأسيسي للعقل

ابراهيم البليهي

ما تزال الأنساق الثقافية التي تَكَوَّنت في أعماق الزمن الغابر  خلال مراحل التاريخ الموغلة في القِدَم: تهيمن على الإنسان في كل مكان وتتحكم بالعقل البشري من اليابان شرقًا إلى أمريكا غربًا ومن  استراليا جنوبًا إلى النرويج والسويد شمالًا إنها الحتمية الثقافية التي لا فكاك منها فهي تَملك ولا تُملك وتهيمن ولا يهيمن عليها …..
لقد مضت قرون على ظهور التفكير العلمي الموضوعي ورغم تعميم التعليم في كل العالم فإن الأنساق الثقافية المتوارثة ما تزال تهيمن على العقل البشري ورغم الاختلافات في قوة الهيمنة  بين نسق وآخر إلا أنه  لا يوجد أية أمة على وجه الأرض تمكنت من التحرر مما تتوارثه عن أسلافها فكل جيل لاحق يرث بشكل تلقائي نسقه الثقافي عن كل جيل سابق إنه تَوارُثٌ تلقائي حتميٌّ لا خيار للأجيال فيه ….
 يتعلم البوذي أو الهندوسي أو السيخي أو الدرزي أو اليزيدي أو الكنفوشيوسي أو الكاثوليكي في أرقى الجامعات العالمية وينال أرفع الشهادات الأكاديمية في علوم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء أو الرياضيات أو غيرها من علوم العصر وتتكوَّن للدارس أنماطٌ ذهنية يمارس بواسطتها نشاطه العلمي أو مهاراته المهنية ولكنه خارج نطاق التخصص يبقى محكومًا بالنسق الثقافي الذي تبرمج به في طفولته ….
البعض لا يجد حرجًا في أن ينقسم بين بنية ذهنية قاعدية تأسيسية كَوََنها نسقٌ ثقافي نشأ عليه وبين أنماط ذهنية غير ثابتة يمارس بواسطتها عمله المهني لكن البعض تكون تصوراته التي تعود إلى النسق الثقافي شديدة القوة والحضور  والهيمنة بشكل يمنعه من التلاؤم مع التصورات العلمية التي يواجهها أثناء دراسته فيقع في حرج الملاءمة فتنتابه الشكوك والمخاوف والقلق ولكن البنية الذهنية القاعدية التي تكونت في الطفولة  تكون غالبًا مهيمنة فيلجأ للتأويل ويُقْنِع  نفسه بأن ما ورثه هو الحق المطلق وأن كل ما يتعارض معه إما أنه غير صحيح وإما أنه قابل للتأويل إنها حيلة العقل في التكيف مع الموقف الخرج للإبقاء على أساسه العميق واستبعاد كل ما يتعارض معه …..
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…

تنكزار ماريني

إنَّ رواية “مالينا” لإنغيبورغ باخمان ليست مجرد كتابٍ يُقرأ، بل هي مواجهةٌ مع نمطٍ مغايرٍ من التفكير والشعور؛ إنها قصة امرأةٍ تتداعى وتتحطم أمام عالمٍ لا يجد متسعاً لمشاعرها العميقة.

ما هي “الأنا”؟
البطلة كاتبةٌ تتسم بحساسية مفرطة، تنشد حباً مطلقاً. تعيش في شقةٍ مع رجلين، أو بالأحرى، مع وجهين لذاتها:

إيفان: حبها الكبير، لكنه يمثل عالماً…

اطلعنا على ما نشره الاستاذ محمد كلش حول مؤتمر فيدرالية اللغة الكردية، ومن منطلق الاحترام المتبادل، وحرصًا على توضيح الحقائق للرأي العام، نورد بيان الآتي:

أولًا، إن انسحاب الأستاذ من المؤتمر كان قرارًا شخصيًا اتخذه قبل انتهاء أعماله، ولذلك لم يشهد بنفسه جميع الجلسات والقرارات والنتائج النهائية، واعتمد في كثير من استنتاجاته على ما نُقل إليه…

نظّم مكتب منتدى الكلمة الحرة، بالتعاون مع منظمة أحلام صغيرة، دورة تدريبية بعنوان “فن الإتيكيت والبروتوكول الدبلوماسي”، وذلك في مقر المنتدى بمدينة قامشلو، بإشراف المدرب الدولي عبد الرحيم مقصود.
وشهدت الدورة مشاركة 30 ناشطة وناشطًا، حيث تناولت محاور متعددة تتعلق بقواعد الإتيكيت وفنون التعامل الرسمي، وأسس البروتوكول الدبلوماسي، وآداب التواصل، وآليات بناء العلاقات المهنية، بما يسهم…