شهر رمضان في كردستان

  عبد الرزاق الجنكو
 
      رمضان مظلة شاملة ، ما أن يحل شهر رجب حتى يعم المسلمين عامة في جميع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه شعور بالاغتباط والفرح بدنو شهر القرآن ، شهر الخير والتوبة ، والتقرب إلى الله ، شهر رمضان المبارك .

      فما مدى مشاركة المسلمين في  كردستان – بلاد الأكراد- إخوانهم في سائر العالم الإسلامي ، هذا ما نتناوله في هذه الأسطر ، وبشكل من الإيجاز راجين تحقيق الفائدة المنشودة .
رمضان في بلاد الأكراد :
      ما أن يطل هلال رجب حتى يشمر محبوا الصوم في كردستان عن سواعد الجد ، ويبدؤون بصيام شهر رجب وشعبان ورمضان ، ثلاثة أشهر متتاليات ، أما عامة الناس ربما لا يمر اليوم واليومان إلا ويذكرون بعضهم البعض باقتراب هذا الضيف العزيز الذي غاب عنهم شهورا ، مع التوجه إلى الله تعالى أن يعينهم على صيامه وقيامه ، وكلما مضى أسبوع وجاء أسبوع زاد من شوق المسلمين في هذه البلاد إلى شهرهم المبارك ، هذا الشهر الذي يربط الحاضر بالماضي المجيد ، والقريب بالبعيد ، والغني بالفقير ، فيعيش المسلمون شهرا مع الماضي المجيد والحاضر المؤلم والغد المأمول .

تحري الهلال في بلاد الأكراد :
      وترى علماء كردستان في كل قرية أو مدينة أو حي من مدينة يحثون المسلمين ويهيبون بهم لمراقبة الهلال ، وتحريه لمعرفة أول شعبان حتى إذا ما غم عليهم في أول رمضان يكملون عدة شعبان ثلاثين كما أمرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم .

الاستعداد لشهر رمضان :
      وقبل حلول شهر رمضان المبارك بأيام ترى المسلمين في بلاد الأكراد يستعدون لهذا الشهر ، فترى الأسواق مكتظة بالمتسوقين ليشتروا ما يحتاجونه خلال شهر الخير  من طعام لوجبتي السحور والإفطار ، حيث يشتري أغلب الناس مما هم محرمون منه من أنواع الطعام طيلة أشهر العام الباقية ، كما أنهم يكثرون من شراء التمور ؛ليقتدوا في إفطارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أنهم يشترون أنواع الشراب كبودرة البرتقال أو عشبة العرق سوس أو عجينة التمر الهندي .
       كما أن الناس يحث بعضهم بعضا بالرجوع إلى الله والتوبة إليه فيما هم فيه من تقصير في دينهم ، وخاصة توجه النصائح لمن يتقاعس في أداء صلاته ، كما أن البعض النادر الذي ليس لديه قرآنا يسعى للحصول على نسخة من القرآن ليقوم بترتيله ، حيث ترى أفراد الأسرة الواحدة يتنافسون في تلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم البركة ، والفخور فيهم من يزيد على إخوانه في عدد مرات ختم القرآن . 
ومع نهاية شعبان وأول رمضان يتزاحم الناس وخاصة في القرى على تحري الهلال ما لم تكن غيوم تمنع رؤية الهلال ، فإذا ما تثبتوا من رؤية الهلال أخبروا بعضهم البعض عن طريق المواصلات الحديثة والاتصالات ، كما أنهم يخبرون السلطات المحلية ليخبروا بدورهم الجهات الرسمية ، وقديما كان الناس متفقين على أن القرية التي يثبت فيها رؤية الهلال توقد مشاعل من نار إعلانا على ثبوت رؤية الهلال ، حيث يرى الناس تلك المشاعل في القرى المجاورة فيلتزمون بالصيام

الليلة الأولى من رمضان :
      وفي الليلة الأولى من شهر رمضان تعم الفرحة المجتمع الكردي ، فترى البسمة في كل ثغر والبشاشة على كل وجه ، وترى الأفراد والجماعات يتبادلون التهاني بقدوم هذا الضيف العزيز على قلب كل مسلم ، وترى الأطفال الأكراد يرددون أنشودتهم التي مطلعها :
 
               تو بخير هاتي هه يفا ره مه زاني       دي و بافي مه أم دانينه بر يس ئو قرآني
                    قدوما سعيدا يا شهر رمضان          والدانا يعلمانا يس والقرآن

التراويح والوتر :
      مع ثبوت هلال رمضان يزداد عدد المصلين في المساجد زيادة ملحوظة ، ويحرص الكثير منهم على صلاة التراويح ، ويصلي الأكراد التراويح عشرين ركعة ، عملا بمذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ويؤخر الكثير منهم صلاة الوتر إلى وقت السحر قبيل صلاة الصبح ، وهم يصلون الوتر إحدى عشرة ركعة .

القرآن في رمضان :
       لا يخلو بيت من بيوت الأكراد من نسخة أو أكثر من القرآن العظيم ، وتراه في كثير من البيوت مغلف بغلاف قماشي موشى ومطرز بفنون الوشي والتطريز ، ويعلق بالجدار القبلي في الدار ، ويتعهد الناس بتلاوته ، ولكن أكثر ما يتلونه يوم الجمعة وليلتها ، وما أن يظل شهر الخير والقرآن – شهر رمضان – أمة القرآن حتى تتضاعف الجهود لدى المسلمين في بلاد الأكراد فيزداد حرصهم على تلاوة القرآن ويعتكف الناس على تلاوته الساعات الطوال في ليالي رمضان أو في أيامه .
 
الإيقاظ للسحور:
       وفي وقت السحور في رمضان يتطوع بعض المحسنين لإيقاظ الناس ، وذلك بالقرع على صفيحة من التنك فيدور المسحراتي شوارع القرية أو حي المدينة ، فيوقظ الناس للسحور ،وفي الأحياء الكبرى في المدن تطلق المدافع لإيقاظ الناس للسحور ، كما يتخذ المدفع وسيلة للإفطار أيضا .

السلوك اليومي في نهار رمضان :
      أما سلوك عامة الناس في نهار رمضان فتراه يتسم بالوقار والبعد عن الفاحش من القول أو البذيء من الكلام ، كما أن الناس يجتنبون المقاهي والملاهي .
     وإذا وقعت خصومة بين اثنين ترى من حولهما يسارعون إلى تذكيرهما أنهما في رمضان ، وأنهما صائمين ، وعليهما أن يستعيذا بالله من الشيطان الرجيم ، وترى الاستجابة لهذا التذكير سهلة وميسرة ، حيث القلوب أكثر رقة في رمضان من غيرها من الأيام عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا كان يوم صوم  أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله ، فليقل : إني صائم ) ، كما أنك كثيرا ما تسمع عندما يغضب البعض لسوء تصرف أحد يقول الغاضب لمن أغضبه  على كل نحن في رمضان .

الإفطار في رمضان :
      وعندما يحين موعد آذان صلاة المغرب ترى الناس في البيوت أو المساجد أحضروا التمور ليفطروا عليها ، فإن لم يجدوا تمرا أفطروا على أي حلاوة متوفرة لديهم ، وبعد الإفطار وأداء صلاة المغرب تتحلق أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار تغمرهم الفرحة ، وتملأ قلوبهم سعادة الأمل برحمة الله ورضوانه .

العشر الأواخر من رمضان :
      وفي العشر الأواخر يضاعف المسلمون في كردستان جهودهم في تلاوة القرآن ، وملازمة المساجد ، والحريصون منهم وهم قليل يحيي ليالي العشر الأخيرة إحياء تاما لا ينامون إلا بعد صلاة الصبح ليصيبوا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، والبعض الأخر يحيي هذه الليالي إحياء جزئيا .

زكاة الفطر : 
بعض الأكراد يؤدون زكاة فطرهم خلال شهر رمضان حيث يتعجلون بإخراجها ، والغالب منهم يخرجون زكاة فطرهم خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان ليتمكن الفقراء من شراء ما يحتاجون إليه من ثياب أو طعام أو غير ذلك من اللوازم .

العيد :
      وقبل أن يهل هلال العيد يسارع الناس في بلاد الأكراد إلى شراء الجديد من الملابس لجميع أفراد الأسرة وخاصة للصغار منهم ، وفي صباح العيد يتوجه الناس إلى المساجد لأداء صلاة العيد ، وبعد انتهاء الخطيب من الخطبة ترى المصلين يتوجهون إلى مصافحة الإمام ليقدموا إليه التهاني بالعيد السعيد  ثم يصطفون إلى جانب الإمام الأول فالأول ويتصافح الجميع ويتسامح المتخاصمون ، وهم يكثرون من الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وبعد خروجهم من المسجد يتوجه الرجال إلى زيارة الجيران أولا ثم بعد ذلك يجلس كل منهم في بيته ليستقبل الأهل والأصحاب والأحباب ، فترى مجتمعا يسوده الوئام والمحبة والتفاؤل

الست من شوال :
      بعد انقضاء نهار العيد يبادر بعض المسلمين في بلاد الأكراد إلى صيام الست من شوال التزاما بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم يدعون الله أن يقبل منهم صيامهم ، وأن يجعلهم من عتقاء شهر رمضان

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…