بين النظرية والتطبيق: دورة التحولات وسقوط الخطاب المراوغ

 إبراهيم اليوسف
 
منذ تبلور الوعي الإنساني، وظهور المدارس الفكرية والفلسفية، عبر التاريخ، وإيجاد الرؤى والأخطوطات التي صاغها العلماء والباحثون، جيلاً بعد جيل، علاماتها الفارقة، إلى درجة التناقض، و التضاد، أحياناً، وهو أمرليس غريباً، في ما لو أدركنا أن العلوم والمعارف، لن تكتمل ولادتهما، وملامحها، دفعة واحدة، بل إنه، ومع تطور الحياة، فإننا نجد هما في تطور أزلي، وذلك تبعاً لتطور الوعي، ومواصلة الكشوفات والفتوحات المتواصلة، في خدمة الإنسان، والحياة، انعكس كل ذلك- على مستوى التنظير- وذلك نتيجة أمرين، أولهما العامل المنفعي الذي ينطلق منه صاحب، أية نظرية، بل وكل من يؤمن بها، وثانيهما يتعلق بمساحة الرؤى، و زاوية ووجهة النظر التي ينطلق منها أي كان، وهو في موقف تبني النظرية، أو الذود عنها.
مؤكد، أن ظاهرة تباين وجهات النظر، واختلافها، وتناقضها، وتضادها، وبعيداً عن إطلاق الحكم البرهي، عليها، تعد جد ضرورية، من أجل تطور النظرية- نفسها- ولخدمة الواقع، وإن كان من المعلوم، أن أية رؤى من أجل تقدم الوعي المعرفي، لابد وأن تواجه بموقف مختلف، من موقع الثقافة المضادة، مادام أن هناك: الشر مقابل الخير، والباطل مقابل الحق والظلم مقابل العدل، والكراهية مقابل الحب، والحرب مقابل السلام، والكذب مقابل الصدق، والقبح أمام الجمال، كما هي ثنائية: الظلام-النور، الموت الحياة، وهي ثنائيات أزلية، ولولا وجودها لكنا نعيش في تلك اليوتوبيا الدنيوية، التي لا يخدش فيها صفو أحد، وهو ما لم يتحقق- للأسف- منذ مصرع هابيل على يدي أخيه قابيل، وحتى آخر نقطة تزهق الآن، في زمن كتابة هذا النص، وما بعدها، في زمن مسرحية الألم الآدمي المفتوح.
 
وما يهم هنا- بما يتساوق مع عنوان هذا المقال، هو أنه حتى ضمن حدود تلك النظرية التي يمكننا، أن نقع، خلالها، على كل ما هو موظف في خدمة رقي الإنسان، وأمنه، و حياته، وسعادته، على وجود هوة على صعيد التنفيذ لدى متبنيها، والمنتمي إليها، على صعيد الممارسة، من خلال الاغتراب عنها، وهي سمة واقعية، طالما تم تناولها من قبل الباحثين في هذا المجال، ويبدو البون على أشدِّه لدى من يقدم نفسه للموقع الريادي، لاسيما في ما إذا كان مثقفاً، أو رجل سياسة، لأن نأيه عن الرؤى التي يزعم الانطلاق منها، ينعكس على نحو سلبي، على أدائه، وشخصه، ومن حوله، وقد يبدو الأمر عادياً في بعض الحالات، بيد أنه قد يصل إلى حالات كارثية، عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة، تتعلق بأمن الإنسان، وكرامته، وحريته، وحياته، ومستقبله، ولقمته، لاسيما في زمن المحن والحروب، حيث لابد أن يتم التعامل بمنتهى الحكمة والحذر والمنطق مع ما حولنا، في المجالات كلها، من دون أي استهتار، أو ردود فعل لابد من العزوف عنها، في مثل هذا الشدائد.
  
إن ما يجري من حولنا- ونحن جميعاً في لجة المخاض العسير- ولا منجى من تأثيراته، لأنه لا يمكننا الخروج من جلودنا، ومن واقعنا، لاسيما في ظل انكسار المسافات، وتمادي فحيح النيران وألهبتها، وهي تخرج من قماقمها، كما يخطط لها عمالقة الأرض، وموجهو بوصلات الدمار والدماء، يفرض علينا أن نقرأ أسباب هذا البون بين النظرية والتطبيق، لدى من نعدهم إلى جانبنا، في جبهات الثقافة المعنية بمناوأة أذى الأشارى، بل أن نشير إليه- أنى وجد- بغرض تجاوزه، رغم أننا موقنون أن الأمر لدى كثيرين لا يعني سوى النكوص إلى ذواتهم، ومنافعهم الآنية، وحصد ما يمكن من مكاسب معنوية، أو واقعية، من دون بذل أية جهود في سبيلها، حيث نكون هنا، أمام خيانة للذات، والمحيط، قبل أن نكون في حضرة خيانة النظرية، لاسيما أن الفرز النهائي الذي يجري في ظل جنون ألهبة الأتون المستعرة، لم تبق أية بقعة معتمة، في هدأة  خفائها، بل إن كل شيء بات في مرمى المعاينة والتقويم الدقيقين، وهو ما أسقط الخطاب المراوغ، والمخادع، أياً كان صاحبه، موقعه، وهي سمة تحققت- بأشد وتيرة- في ظل ثورة الاتصالات  في عمارتنا الكونية المهددة بالقلق، والرعب، ودوي آلة القتل، ورائحة الموت، والزوال الذي يواصل ممارسة رياضته على حساب إنجازات الآدمي، وحضارته، ووجوده.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خلات عمر

لم يكن الطفل قد فهم بعد معنى الانفصال، ولا يدرك لماذا غابت أمّه فجأة عن البيت الذي كان يمتلئ بحنانها. خمس سنوات فقط، عمر صغير لا يسع حجم الفقد، لكن قلبه كان واسعًا بما يكفي ليحمل حبًّا لا يشبه حبًّا آخر.

بعد سنواتٍ من الظلم والقسوة، وبعد أن ضاقت الأم ذرعًا بتصرفات الأب…

خوشناف سليمان

لم تكن الصحراء في تلك الليلة سوى صفحة صفراء فارغة. تنتظر أن يُكتب عليها موتٌ جديد.
رمل يمتد بلا نهاية. ساكن كجسدٍ لا نبض فيه. و الريح تمر خفيفة كأنها تخشى أن توقظ شيئًا.
في ذلك الفراغ توقفت العربات العسكرية على حافة حفرة واسعة حُفرت قبل ساعات.
الحفرة تشبه فمًا عملاقًا. فمًا ينتظر أن يبتلع آلاف البشر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، اليوم، بحزن، نبأ رحيل شقيق الزميلة رقية حاجي:

نايف أحمد حاجي
الذي وافته المنية في أحد مشافي هولير/أربيل عن عمر ناهز ٥٩ عامًا.

يتقدم المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا بخالص العزاء للزميلة رقية حاجي، وللفنان حسين حاجي، وللناشط عبدالكريم حاجي، ولعموم عائلة…

صبحي دقوري

في لحظة ثقافية نادرة، يتصدّر الموسيقار الكوردي هلكوت زاهير المشهد الموسيقي العالمي بعدد أعمال معتمدة بلغ 3008 أعمال، رقمٌ يكاد يلامس الأسطورة. غير أنّ أهمية هذا الحدث لا تكمن في الرقم نفسه، بل في ما يكشفه من تحوّل جذري في مكانة الموسيقى الكوردية ودورها في المشهد الفني الدولي.

فهذا الرقم الذي قد يبدو مجرّد إحصاء،…