نصوص أدبية

إبراهيم محمود

 

عندما تهجأتُ ممتلئاً بك ” أحبك ِ ”

فقدتُ رأسي في الحال

وتراءى لي جبلٌ جبلٌ جبل

جبل من صوان ودم وضوء وعسل وهواء فتي

له قمة ينتسب إليه شموخٌ فريدُ إقليمه

رأيتني مرفوعاً به إلى أعلى عليين

وأكسبتني نجوم من حنان وشجر يانع دون جذور

ملَكَة الامتلاء باللامرئي

حيث تكونين أنت بكل بهاء نسبك الكوكبي

 

عندما تهجأت مسكوناً بك ” أحبك ”

فقدتُ…

إبراهيم محمود

 

بياضٌ تقطَّر منك ِ

اشتعل ليلُ رغبة تليد

توسلت إلى الصباح طويلاً

أن تتأخر الشمس في ظهورها

وأنا أتدثر بذلك المتقطر من بياضك

وأنا أتنفس تلك العينة التي

ألهمتني لعمر يأتمر به زمن قادم

أي متصوف أنا في تكية وجدك الأعظم؟

 

كيف لبياضك

أن يقلق سواداً هو جذره التكعيبي

أن يفتتن الأصل بالفرع

أن تغيّر الغابة المتشحة بالسواد وجهتها إليك

كيف لظلال تبتهل إلى فيزيائها بجرعة…

إبراهيم محمود

 

اسمك ِ المجهولُ معلومي مبتل ٍ به

أي رغبة هيأتنا له هذي الساعة الصامتة

زمنٌ كتابٌ يباشرنا ببياضه

 

تنفتحين حضوراً لا قبَل لي به

أي قارب رغبة يمكنه معاقرة موجك؟

الشطآن أثرٌ بعد عين

 

يتحرك جسدُك ِ الشجر أمامي

تمطرني رغبة بوابلها

يضج ثمر في الأفق

 

كيف استحال جسدك ماءً

كيف استحالت رغبتي تربة

الفصول تتنافس على المرتَقَب ؟

 

تسربت ِ عاصفة ملثَّمة إلى دمي

أشعلتْ مساماتي…

إبراهيم محمود

 

يذكُرك القمر

تتنفس السماءُ الصعداء

تنام الأرض ملء غدها

 

يستنشقك الورد عشقاً

تباشر الحديقة دورتها زهواً

تبتهج السنة طوع سكَينتها

 

من خفقة لقلبك الظليل

ترسِل الينابيعُ باقةً من ألحانها البنفسجية

الطبيعة تعلِن ولادتها الأولى

 

صخرة الماء تمتلىء مشاعرَ لمرآك

أي شلال يفلتر صداها السامي

عرائس المروج تؤمّن التجلّي لحور عينها

 

درب وعر يطرب لخطوك

الساعة لا تكف عن النفْخ في جرسها

ثمة أرواح تنبت على الجانبين

 

تناهى همسك إلى…

إبراهيم محمود

 

” إلى بول إيلوار .. طبعاً ”

 

 

على وقْع اسمك ِ

تتداعى الحواجز الحديدية

الترسانات المسلحة

المتاريس عالية الصنْع

نقاط التفتيش السرية

كاميرات المراقبة عن بُعد

أجهزة الموبايل بإشاراتها الموجهة

الرادارات متناهية الصغَر

غرَف التعذيب الالكترونية

الجسور العابرة للموت

الأسطح المموهة

الممرات المعتمة

الأنفاق الرطبة

 

 

 

في صدى صوتك

تتنحى إشارات المرور

الكابينات الطارئة

المراصد التي لا تُرى بالعين المجردة

السيارات ذات البللور المفيَّم والمانع للرصاص

السيارات ذات الأرقام الخاصة

الدراجات النارية بأصواتها…

عبد الجابر حبيب

 

سهلٌ ممتد،

في ضوءِ الفجرِ تتلألأُ

بقعُ الندى

 

********

طريقٌ موحل،

تغوصُ في الحقولِ

خطى عابرة

 

********

صوتُ الرعد،

فوق الشرفة الشرقية

حباتُ البردِ

 

********

هواءُ الخريف،

أوراقٌ متيبسة تتدلى،

بـحركةٍ بندوليةٍ

 

*******

صخورُ الجبل،

من بينِ الشقوقِ الضيقةِ

تنبثقُ الأغصانُ

 

********

بحيرةٌ راكدة،

تهتزُّ على سطحها

خيامُ الزائرين

 

********

موجٌ متكسر،

تتلاشى على الرمال

رغوةٌ بيضاءُ

 

*******

ليلة ماطرة،

وميضُ برقٍ خاطف

على السطوحِ

 

********

ضبابٌ كثيف،

من النوافذ البعيدة

خيوطٌ صفراء

 

********

ظلُّ الغصن،

على الجدار الأبيض

حركاتٌ غامضة

 

*******

إبراهيم محمود

 

رأيتك ِ

سقطت منك ِ كلمة

تناولتها الأرضُ بشغف

انتعش ورد على غصنه

انفرجت أسارير دعسوقة في الجوار

انشرحت روح صخرة في الحال

هبّ الهواء معززاً بنسيمه

منَّتْ نملة نفسها برزق وفير

يا هذه الأكبر من هذه، أي جنس مكرمات كانت كلمتك تلك؟

 

سمعتك

صوت موسيقى تألق في عينيك

دوزن حسونٌ جناحيه في مهب أحلامه القادمة

بات في مقدور نقار الخشب أن يؤدي عمله بحماس أكبر

أيّل…

خالد ابراهيم

أهكذا تنقضُّ عليَّ أيها الزمنُ كذئبٍ جائع؟ أهكذا يضيقُ بي المدى حتى تصيرَ الأرضُ حفنةَ غبارٍ في قبضتي؟ قلْ للريحِ أن تخلعَ عني جلدَ هذا التيه، أن تحصدَ ما تبقّى من وجوهٍ ذابلةٍ سقطتْ تحت معاولِ الضوء، وقلْ للسماءِ: أنا السُّرابُ إن خانني العطشُ، أنا الجرحُ إن خانهُ الملحُ، وأنا آخرُ ما لفظتْهُ الحروبُ…

إبراهيم محمود

أنا من وطن
ما أن أذكّره باسمه يتجاهلني
ما أن أذكّره باسمي ينهرني
ما أن أذكّره بحدوده يغمض عينيه
ما أن أذكّره بنشيده يسدّ أذنيه
ما أن أذكّره بسمائه يطرق ملياً
ما أذكّره ببحره يتصبب عرقاً
ما أن أذكّره بتاريخه يقطّب جبينه
ما أن أذكّره بشجره يلطم وجهه
ما أن أذكّره بهويته يطلق ساقيه للريح

***

وأنا من وطن
ثمة قرمة تبكي غابتها التي اُجتثت جذورها
ثمة…

إبراهيم محمود

قلتُ: السماء
قالت: الأرض
تلك هي المسافة التي تفصل
بين صوتي وصوتي
بين لغتي ولساني
بين دمي ومائي
بين خريطتي وحدودي
بين رجلي وخطاي
بين اسمي ووجهي
بين برودة الأرض التي أنا عليها
وبرادة السماء التي أسبّح باسمها فرْضاً
بين بيني والمسافة فاتحة شدقيها
بيني وبينها والمسافة مطبَقة علينا
***
قلت: أرأيت ِ؟
قالت: لا عين لي
قلت : أسمعت؟
قالت: لا أذن لي
قلت: أشممت ؟
قالت : لا أنف لي
قلت: أتنبهت…