إلى الليلِ الذي لم يكن ظلي

خالد ابراهيم
 أهكذا تنقضُّ عليَّ أيها الزمنُ كذئبٍ جائع؟ أهكذا يضيقُ بي المدى حتى تصيرَ الأرضُ حفنةَ غبارٍ في قبضتي؟ قلْ للريحِ أن تخلعَ عني جلدَ هذا التيه، أن تحصدَ ما تبقّى من وجوهٍ ذابلةٍ سقطتْ تحت معاولِ الضوء، وقلْ للسماءِ: أنا السُّرابُ إن خانني العطشُ، أنا الجرحُ إن خانهُ الملحُ، وأنا آخرُ ما لفظتْهُ الحروبُ من أغنياتٍ مكسورة. حطِّمْ قيدَكَ أيها القلبُ، اكسرْ يدَ الظلِّ التي تقودُك للعدم، دُسْ على النبوءاتِ التي غرزتها الأحلامُ في خاصرتك، واغمدْ في حلقِ الغيابِ سيفَ حضورِك، ارفعْ منارَ الرمادِ حتى يصيرَ الكونُ قبضةَ دخان، حتى يصيرَ الليلُ ندبةً على جبينِ الوقت، حتى تقولَ: هذا أنا، وهذا موتي يُولدُ في ضحكتي، وهذا حصانُ السنينِ يسقطُ صريعًا على أعتابِ الوهم. قد آن أن ينحني السوادُ تحت قدميَّ، قد آن أن ينطفئَ القمرُ في كأسِ ندمِهِ، فيا أيها الليلُ، أيها الفراغُ النازفُ في أوردتي، انزعْ وجهَكَ عن وجهي، لا أريدُ أن أكونَ مرآتك، لا أريدُ أن أرثَ عنكَ وحشتكَ، لا أريدُ أن أكونَ ظلك. فلتحترقْ كلُّ الشموعِ التي لم تضيء إلا الظلام، وليتحجَّرْ هذا الزمنُ في حنجرتي، وليكنْ هذا الصمتُ نصلًا أخيرًا أطعنُ به وجهي قبل أن يخذلني النور.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…

في حوار أجراه الكاتب إبراهيم يوسف مع الشاعر محمد شيخ عثمان وردت معلومتان خاطئتان ربما لتقادم الزمن مما يستوجب تصحيحهما للأمانة التاريخية. المعلومة الأولى تتعلق بتأسيس “جائزة أوسمان صبري للصداقة بين الشعوب”، إذ قال الشاعر محمد شيخ عثمان إنها “تأسست في أورپا”، لكن الصحيح أنها تأسست عام 1998 في بيت المرحوم أوسمان صبري في دمشق…

ا. د. قاسم المندلاوي

نقدم في هذا القسم نبذة مختصرة عن فنانين عاشا في ظروف اقتصادية وامنية صعبة ابان حكم القوميين والبعثيين في العراق، والتحقا بصفوف ثوار كوردستان (البيشمركة الابطال) دفاعا عن شعبهم الكوردي ضد الظلم والاستبداد، اللذين لم يرحما حتى الطبيعة الجميلة من اشجار مثمرة وطيور وحيوانات في جبال…

شفان الأومري

 

تَنْبَثقُ هذه المجموعة القصصيَّة من قلب البيئة الشَّعبيَّة حيث تتجلَّى بساطةُ العيش لا بوصفها سذاجة، بل كحكمةٍ يوميَّة تختفي في تفاصيل الحياة الصَّغيرة.

وقد سعى الكاتب عبر جهدٍ واعٍ ومثابرة إبداعيَّة إلى أنْ يمنحَ هذه العوالم صوتاً يُخرجُها من هامش الصَّمتِ إلى فضاء القراءة والتَّلقي.

فالحكاياتُ هنا لا تُروى لمجرد التَّوثيق، بل لتعيد تشكيل هذا العالم…