الكرد يحيون “النوروز” في لبنان… إحياء للقضية وتفاخر بالهوية

محمود فقيه

 

كانت الاحتفالات تقتصر على الكرد اللبنانيين، لكن مع انهيار الأنظمة العربية، استقطب لبنان كرداً من دول عدة مرة أخرى فصار “النوروز” مناسبة تجمع كل كردي، لبنانياً كان أم وافداً أم مقيماً.

جرت العادة أن يُحيي الكرد عيدهم في 21 آذار/مارس من كل عام. ومع بداية فصل الربيع، يتوجهون إلى الطبيعة بملابسهم التقليدية حيث يقيمون حفلات الشواء ويضرمون ناراً كبيرة في الوسط، يقفز الشبان فوقها ويقومون باستعراض يثبتون خلاله قوة البنية وصلابة الإرادة. إنه يوم  يثبتون فيه هويتهم ويحيون قضيتهم ومطالبتهم بدولة تجمع أقاليم كردستان الموزعة بين إيران وتركيا والعراق وسوريا. ولعل ما تشهده سوريا اليوم يعطي “النوروز” في هذا العام زخماً أكبر وفرصة لإعلان مواقف سياسية شتى. 

كانت الاحتفالات تقتصر على الكرد اللبنانيين، لكن مع انهيار الأنظمة العربية، استقطب لبنان كرداً من دول عدة مرة أخرى فصار “النوروز” مناسبة تجمع كل كردي، لبنانياً كان أم وافداً أم مقيماً.

ومع سقوط “البعث” العراقي، تعرف العالم العربي أكثر إلى هذا الشعب المهمش، وبات حراكه غير محظور واحتفالاته أكثر علنية وفنانوه أكثر انتشاراً، وأصبحت احتفالية “النوروز” مناسبة ثقافية، سياسية وفنية في آن واحد تستقطب أصحاب الرأي والشعراء ونجوم الفن الكردي حول العالم. 

في الماضي كان الكرد اللبنانيون يحيون عيدهم في مسبح عجرم – كورنيش بيروت البحري، اختاروا حينها هذا المكان بناء على العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع  مالكيه الأخوين جورج وميشال عجرم برئيس الحكومة الراحل سامي الصلح الذي كانت تربطه بالكرد علاقة دم وصداقة وكانوا يلقبونه بـ (سامي بابا) لكونه أنصفهم عبر منح الجنسية للعديد منهم عام 1965. بعد إقفال مسبح عجرم نقلوا احتفالهم إلى منطقة الدالية قرب صخرة الروشة وصار هذا الاحتفال أكثر استيعاباً للحشود التي لم تكن تقتصر على الكرد. 

 والكرد يحتفلون بهذا اليوم كيوم مقدس ويبيح بعضهم لأنفسهم الإفطار في هذا اليوم في حال صادف خلال شهر رمضان المبارك. 

في الآونة الأخيرة، بعد تسييج الدالية وحظرها أمام العامة، نقل الكرد احتفالهم إلى ملتقى النهرين في منطقة الشوف، وهو مكان أكثر أماناً من البحر المفتوح، بخاصة مع وجود أطفال. هناك بين أحضان الطبيعة والجبال الخضراء المحيطة والتي تذكر بجبال كردستان يحتشد الكرد حاملين علمي لبنان وإقليم كردستان  والرايات الكردية وصور الزعيم الكردي المعتقل في السجون التركية عبدالله أوجلان والملا مصطفى بارزاني. وعلى وقع الموسيقى والأهازيج الكردية، وعلى منصة ترفع صور القادة والمقاتلين الذين قضوا في الكفاح المسلح إلى جانب معتقلي الرأي، يغني فنانون لبنانيون وكرد. يشبك المحتفلون، نساءً ورجالاً، أيديهم بحلقات دائرية ويرقصون “الهلبركي” أو “الشايي”  وهي الدبكة التقليدية التي يمتزج فيها العنفوان بالفرح، وفي الوسط يتجمع شبان يرقصون منفردين على وقع موسيقى الطنبور، الدف والمزمار. ويتمايز الكرد في دبكتهم، فكرد سوريا والعراق تتميز دبكتهم بثلاث خطوات، أما كرد تركيا وإيران فتتميز دبكتهم بإحدى عشرة خطوة. هذه السنة أجلوا الاحتفال من يوم الجمعة إلى يوم الأحد في 23 من الجاري، لكون هذا اليوم يوم عطلة وبإمكان العمال المشاركة. هذه المناسبة ليست لإحياء عيدهم القومي بل للتذكير بالقضية الكردية وإبراز الموقف السياسي. هذا العام ستتلى رسالة موحدة من عبدالله أوجلان في كل الاحتفالات حول العالم ومنها لبنان.

وبالتأكيد للكرد أيضاً رأي في ما يجري في المحيط كسوريا، بخاصة أن أبناء قوميتهم في “قوات سوريا الديموقراطية” قدموا نموذج حكم متقدماً ومختلفاً عن المركز في دمشق بعد سقوط بشار الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة. ولا يخلو الموقف من رأي حول لبنان، فهم مواطنون لبنانيون يعنيهم ما يعني الجميع. 

وفد الكرد إلى لبنان أمراء وآغاوات وباشوات، منهم من قدم أبان الحكم الأيوبي و آخرون أيام السلطنة العثمانية. تولوا مناصب عسكرية وإدارية بسبب ولائهم للدولة العثمانية، كآل سيفا الذين حكموا طرابلس في أواخر القرن السادس عشر.

لم تشهد البلاد نزوحاً كردياً إلا في القرن العشرين، بعد فشل ثورة الشيخ سعيد بيران، وثورة الجنرال إحسان نوري باشا وثورة سيد رضا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي حين استقبل لبنان الكرد القادمين من تركيا، وفي أواخر الخمسينيات عاد واستقبل كرداً قادمين من سوريا. لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الكرد اللبنانيين، هناك أرقام بينها تفاوت كبير، ففي حين يقدر بعض الباحثين عددهم بـ 150 ألفاً، يقلل آخرون وجودهم الحالي إلى بضعة آلاف،  ويبررون هذا التناقص بالهجرة الكبيرة إلى أوروبا خلال الحرب الأهلية .  

تمركز الكرد في المدن الساحلية الكبرى، في طرابلس وصيدا وبيروت. في الأخيرة يتوزعون بين زقاق البلاط وبرج أبي حيدر والبسطة. ورغم هذا التمركز الواضح لم يكن للكرد مجتمع مغلق، بل اندمجوا في محيطهم السني لدرجة أن منهم من نسي اللغة الكردية. ولكن أغلبهم ظلوا متمسكين بلباسهم التقليدي وأزيائهم الملونة وطريقة حجاب نسائهم (المنديل الأبيض المزركش بالخرز الملون) وقبعات الرجال المأخوذة عن أغاوات الكرد. 

ويشرح رئيس “رابطة نوروز الثقافية الاجتماعية” جمال حسن في حديث إلى “النهار” أن عيد “النوروز” هو رمز للحرية والتحرير، وانتصار النور على الظلام، ويعتبر أيضا رأس السنة الكردية. ويعيد هذه المناسبة “إلى 612 قبل الميلاد عندما انتصر الميديون بالتحالف مع البابليين والعيلاميين على ظلم الأمبرطور الآشوري الذي كان طاغية في حكمه على كل شعوب المنطقة، وكان دائماً يغير على الميديين ويرتكب المجازر بهدف إخضاعهم لامبراطوريته بشكل كلي. وبما أن الميديين الكرد زرادشتيون كان ممنوعاً عليهم إيقاد مشاعلهم وتركها في الظلام، لهذا اتخذوا من الشعلة كلمة سر للدلالة إلى بدء الهجوم عبر  إشعالها على كل الأعالي وقمم جبال كردستان، وهكذا اصبحت هذه الشعلة رمزا للحرية لكل شعوب العالم”.  تنسجم رواية جمال حسن مع ما ذكره الفردوسي في ملحمة “الشاهنامة” وانتصار كاوا الحداد الكردي على الملك الضحاك. 

ويشرح حسن: “عند انتصار النور على الظلام تنفست الصعداء كل الشعوب التي عانت من ظلم الطاغية الضحاك. وبات مناسبة تحتفل بها شعوب الأفغان والطاجيك والفرس والكرد وكل الآريين”. 

==============

المصدر: جريدة (النهار)

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…