المثقف الكوردي .. من النداءات السرية إلى البث العلني

 بهرين أوسو

​لطالما حمل المثقف الكوردي على عاتقه إرثاً ثقيلاً من هموم شعبه، لكن الإشكالية تكمن في طريقة حمل هذا الإرث، فبدلاً من أن يكون جسراً للعبور يتحول أحياناً إلى كفن يلف به صاحبه نفسه بعيداً عن أنظار العالم. 

ففي القاعات المغلقة تُعقد الندوات بلغة أكاديمية معقدة، يحضرها الوجوه ذاتها، في مشهد يشبه اجتماعاً سرياً لنادي المعجبين بالقضية، والنتيجة نخبة تخاطب نفسها خلف جدران الغرفة الكوردية الصماء.

​لنكن واقعيين،لقد حُصِر الخطاب النخبوي في الشارع الكوردي، وكأن الشركاء في الوطن من عرب وسريان وكلدان وغيرهم ليسوا جزءاً من هذا الواقع المعاش. 

نحن نمارس عزلة اختيارية بامتياز ونصنع فيلماً وثائقياً مؤثراً ثم نعرضه على شاشاتنا المحلية فقط، ونكتب مقالاً رصيناً عن الحقوق وننشره في صحفنا الكوردية فقط.

​هذا السلوك يشبه تماماً من يكتب رسالة حب إلى حبيبتة،ثم يطلب من صديق أخرس إيصالها ، فبالتأكيد لن تصل الرسالة، وإن وصلت، فستكون مشوهة، خالية من الروح والتعبير، أو ستكون مجرد صرخة خافتة في حارة طرشان.

​إن المطلوب من المثقف الكوردي اليوم هو أن يدرك إن الكوردي ليس كائنا ًفضائياً، بل هو جزء من نسيج مجتمعي متعدد. وإن التعامل مع الآخر العربي أو السرياني  كعابر سبيل هوخطأ استراتيجي فادح، فهؤلاء هم شركاء في الأرض والمعاناة.

لذا ​يجب ترجمة القضية الكوردية من لغة وجع محلية إلى لغة حقوق إنسان عالمية. وعلى المثقف أن يشرح للآخر ان المطالب الكوردية ليست تهديداً لوجوده، بل هي جزء من نسيج العدالة الاجتماعية الذي سيعم خيره على الجميع، ولكن للأسف، ما زالت بعض الخطابات تكرس ثنائية “نحن وهم”، مما يعمق الفجوة بدلاً من ردمها.

​أماعلى المستوى الدولي، فما زلنا نتعامل مع السياسة والثقافة كمعاملات رسمية في دائرة حكومية، نرسل الشكاوى للمنظمات وننتظر الرد الروتيني منها، لكن العالم اليوم لايتحرك بهذه الصورة،

إننا​نحتاج لمثقف يحول وجبة القضية الكوردية من طبق محلي حار قد لا يستسيغه الغريب، إلى وجبة عالمية يفهم الجميع مكوناتها وقيمتها.. 

نحتاج أن نصل إلى القارئ في أوروبا وأمريكا ليس كـ “لاجئين” أو “مقاتلين” فحسب.. 

نحتاج ان نصل الى قلوب وضمائر من يشاركوننا الوطن بلغتهم ونبرهن لهم إننا أصحاب فكر وفلسفة وتراث إنساني عريق. 

والمفارقة الساخرة هنا، ان مثقفينا يحفظون أسماء فلاسفة الغرب عن ظهر قلب، لكنهم يعجزون عن ترجمة ديوان شعر كوردي واحد ليقرأه جيرانهم او شركاؤهم في الوطن .

​لقد حان الوقت لخلع عباءة النائح أو الخطيب الحماسي في المهرجانات، وارتداء ثوب المواطن العالمي الذي يمتلك أدوات العصر، فالقضية يجب أن تخرج من الكبسولة الضيقة إلى فضاء الإنسانية الفسيح، ليس عبر التسول السياسي، بل بقوة الثقافة والفن وإيصال الفكرة الى الآخرين، ولقد آن الأوان الضغط على “زر المشاركة” الحقيقي مع العالم.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…

إبراهيم اليوسف

يفتتح أكرم سيتي فيلمه القصير “الكرسي” طوال برهة يلتقط فيها المشاهد الأنفاس، عبر صمت مطبق، بطيء الإيقاع، وثقيل، حيث تدخل الكاميرا مباشرة إلى منطقة سياسية شديدة التأجج داخل الواقع الكردي، بل داخل الجرح الكردي، فالمشهد يتحرك حول كرسي واحد، بينما تتكاثف حوله ظلال السلطة والقيادة- بأشكالهما- من سمة الامتياز والابتعاد التدريجي عن القضية التي…