تغيير نمط العملية التعليمية

ابراهيم البليهي

ربما يفهم البعض من عنوان كتابي (إخفاق التعليم) أنني ضد تعميم التعليم وهذا بعيد كل البعد عما قصدته فأنا أعتبر أن تعميم التعليم هو أعظم مشروع بشري فقيمة كل إنسان بما يُحْسِن والإنسان كائنٌ عارف ومهمته الأولى في الحياة هي أن يتعلم وأن يتعرَّف على كل ما يمكنه أن يتعرف عليه وأن يكتسب من المهارات كل ما يمكنه اكتسابه وأنا حياتي كلها مغمورة بالكتب وبالتعلم فلا يمكن أن أكون ضد التعلُّم لكني ضد النمط السائد للتعليم في كل العالم فنتائجه لا تتلاءم أبدا مع طول مدته ولا مع تعدد مراحله ولا مع الأموال  الضخمة التي تصرف عليه ولا مع الجهود اللحوحة التي تبذل فيه ولا مع مجموع التكاليف التي يستهلكها ثم تأتي النتائج بهذا الهزال الذي يستوجب إجراء مرجعة عميقة شاملة …..

عنوان الكتاب ( إخفاق التعليم) دلالته على المضمون هي دلالة جزئية كأي عنوان لذلك فلا يؤخذ المضمون إلا من قراءة الكتاب كله وهذا شيء بديهي ….

لكن طبيعة العقل البشري أنه يحكم بسرعة فهو قد تَبَرْمَج  منذ أزمان سحيقة بأن يكون حذرا وأن يلتقط بسرعة فأحكامه ليست مبنية على التحقق بل على التوقع فالوشوشة في الغابة قد تعني وجود ثعبان أو حيوان مفترس وبذلك فإن العقل البشري مصمم على التوقع وليس على التحقق وهذه ظاهرة بشرية لها إيجابيات لكنها في التعلُّم لها سلبيات فادحة …..

من المعروف أن عنوان أي كتاب هو ذو دلالة جزئية فقط ومن هنا قد يُفهَم عنوان (إخفاق التعليم) على نحو لم أقصده فأنا لست ضد التعليم ذاته لكني ضد النمط السائد من التعليم وضد النتائج البائسة التي يتمخض عنها التعلُّم قسرًا أو اضطرارًا فدفع الأطفال إلى المدارس في السابعة من العمر له نتائج نفسية سلبية عليهم خلال العمر كله ولأن الإنسان كائن تلقائي فإن قابلياته لا تستجيب إلا لما يهواه ويتفق مع احتياجاته النفسية فلابد من إحداث تغيير جذري على العملية التعليمية لكن الأفكار لا تصل بالشكل الذي يريده الكاتب أو المتحدث لذلك لا يتم تبادلها بشكل مباشر  وإنما تصل على نحو معيب لذلك يتعذر الاتفاق لكني أقذف حجرًا في الماء فتتفاعل الأمواج وربما تؤثر ولو بعض التأثير ….

كتصور مبدئي أتخيل تغيير نمط المباني المدرسية فبدلا من الفصول والغرف والحصص والكتب المدرسية؛ يتم إيجاد مكتبة ومرشدين يطرحون على الطلاب أسئلة ويقال لهم بأن الإجابات موجودة في هذه المراجع وعليهم أن يعثروا عليها وأن يصوغوا الإجابات بأنفسهم وليس نقلا حرفيا هنا تتكون القدرات المعرفية الحقيقية وبهذه الطريقة يقفز المتفوقون الحقيقيون ويتعلم الجميع فالمتفوق لا داعي لحصره سنة كاملة في مستوى محدد وإنما يتاح القفز السريع لذوي القدرات كما يتاح للجميع بأن يتعلموا منذ البدء طريقة البحث فتتخلق فيهم علاقة قوية مع الكتب ويصبح التعلم هدفًا شخصيا شيقا وليس واجبا مدرسيا ثقيلا ونكدا هذه مجرد فكرة أوَّلية ويمكن طرح أفكار كثيرة فالمهم أن يتحول التعلُّم من واجب قسري ثقيل إلى رغبة ذاتية متجددة وشغف نفسي عميق ……..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

تمهيد: كاتب جاء من الهامش فصنع مركزًا

في حياة الأدب أسماء تأتي من العواصم، تحيط بها الصحف والمجلات والمقاهي والجامعات، وأسماء أخرى تأتي من الأطراف البعيدة، من مدنٍ كأنها تقف على حافة الخريطة، فإذا بها تقلب معنى المركز والهامش معًا. وسليم بركات من هذا النوع الثاني.

جاء من الشمال السوري، من القامشلي، من تلك الأرض الكردية…

شكري شيخ نبي ( ş.ş.n)

يا نديم الراح وصنو الرواح
دع شفاه الكؤوس ترتل اليبابا

دع الكؤوس تعتلي كالمآذن
تصدح كناقوس كنيس السيانا

لا بيت يليق بصاحب السماء
إلا كأس قلب يمخر لج الريانا

ودع اللوم فإن اللوم إغراء
ورب دواء بالداء كان بها كهانا

فالعلم يعرج في السماوات
والجهل يحاكي مشي الرزانا

من جهل الحب سماه هياما
ومن افترى عليه أسماه الغراما

ما كان الحب سوى العتاب
ونوح…

بمناسبة يوم اللغة الكردية يقيم الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد ندوة مشتركة للكاتبين:

عدنان بشير الرسول: بعنوان مصاعب وتحديات اللغة الكردية
فتاح تمر: بعنوان وضع اللغة الكردية في كردستان الشمالية

يوم السبت 16.05.2026 الساعة الواحدة ظهراً، والعنوان بالملصق.
يسرنا حضوركم.

إبراهيم اليوسف

صدرت حديثاً، عن دار نوس هاوس في هولندا للنشر والترجمة، مجموعة قصصية لأربعة وعشرين كاتبا وكاتبة بغلاف أنيق تحمل لوحة فنية للفنانة التشكيلية روجين حاج حسين ترجمها الكاتب والناقد السوري صبري رسول من الكُردية إلى العربية بعنوان: مختارات من القصة الكردية القصيرة.
وتضم المجموعة ستا وعشرين قصة، تتناول الشؤون والهموم الفردية والشخصية والاجتماعية والإنسانية. يؤكّد…